وهذا المعنى الّذي أشار له هنا جاء في غير هذا الموضع أيضا كقوله في « الواقعة » :
لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً ( 25 ) إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً
( 26 ) [ الواقعة : 25 - 26 ] وقد جاء الاستثناء المنقطع في آيات أخر من كتاب اللّه ، كقوله تعالى :
ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ
الآية :
وقوله :
وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى ( 19 ) إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى
( 20 ) [ الليل : 19 - 20 ] ، وقوله :
لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى
[ الدخان : 56 ] ، وكقوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ
[ النساء : 29 ] الآية ، إلى غير ذلك من الآيات . فكل الاستثناءات المذكورة في هذه الآيات منقطعة . ونظير ذلك من كلام العرب في الاستثناء المنقطع قول نابغة ذبيان :
وقفت فيها أصيلا لا أسائلها * عيت جوابا وما بالربّع من أحد
إلا الأوارى لأبا ما أبيّنها * والنّؤى كالحوض بالمظلومة الجلد
« فالأوارى » التي هي مرابط الخيل ليست من جنس « الأحد » . وقول الفرزدق :
وبنت كريم قد نكحنا ولم يكن * لها خاطب إلا السّنان وعامله
وقول جران العود :
وبلدة ليس بها أنيس * إلّا اليعافير وإلّا العيس
« فالسّنان » ليس من جنس « الخاطب » و « اليعافير والعيس » ليس واحد منهما من جنس « الأنيس » . وقول ضرار بن الأزور :
أجاهد إذ كان الجهاد غنيمة * وللّه بالعبد المجاهد أعلم
عشيّة لا تغني الرّماح مكانها * ولا النيل إلا المشرفيّ المصمّم
وبهذا الّذي ذكرنا تعلم صحة وقوع الاستثناء المنقطع كما عليه جماهير الأصوليّين خلافا للإمام أحمد بن حنبل وبعض الشّافعيّة القائلين : بأنّ الاستثناء المنقطع لا يصحّ ، لأنّ الاستثناء إخراج ما دخل في اللّفظ ، وغير جنس المستثنى منه لم يدخل في اللّفظ أصلا حتّى يخرج بالاستثناء .
تنبيهات
الأول [ تحقيق الفرق بين الاستثناء المتّصل والمنقطع ] -
اعلم أنّ تحقيق الفرق بين الاستثناء المتّصل والمنقطع يحصل بأمرين يتحقّق بوجودهما أنّ الاستثناء متّصل ؛ وإن اختلّ واحد منهما فهو منقطع : الأوّل - أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه ، نحو : جاء القوم إلّا زيدا ؛ فإن كان من غير جنسه فهو منقطع ، نحو : جاء القوم إلّا حمارا . والثّاني - أن يكون الحكم على المستثنى بنقيض الحكم على المستثنى منه . ومعلوم أنّ نقيض الإثبات النّفي كالعكس . ومن هنا كان الاستثناء من