تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
وقال بعض أهل العموم : ليس على التّارك الصّلاة عمدا قضاء ، لأنّ القضاء يحتاج إلى أمر جديد ولم يأت أمر جديد بقضاء التّارك عمدا . وممّن قال بهذا ابن حزم واختاره أبو العبّاس بن تيمية رحمه اللّه . وإلى هذه المسألة أشار في مراقي السعود بقوله :
والأمر لا يستلزم القضاء * بل هو بالأمر الجديد جاء
لأنّه في زمن معيّن * يجي لما عليه من نفع بين
وخالف الرّازي إذ المركب * لكل جزء حكمه ينسحب
تنبيه سبب اختلاف العلماء في هذه المسألة : أنّها تجاذبها أصلان مختلفان : فنظرت كلّ طائفة إلى أحد الأصلين المختلفين : أحدهما : الأمر بالمركب أمر بأجزائه ؛ وإليه نظر الحنفيّة ومن وافقهم . والثّاني : الأمر بالعبادة في وقت معيّن لا يكون إلا لمصلحة تختصّ بالوقت المذكور ، وإليه نظر الجمهور . ومثل هذا من الأشياء التي تكون سببا للاختلاف في المسألة كما أشار له الشّيخ ميارة في التّكميل بقوله :
وإن يكن في الفرع تقريران * بالمنع والجواز فالقولان
قوله تعالى :
جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا ( 61 )
[ 61 ] . بيّن جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة : أنّه وعد عباده المؤمنين المطيعين جنّات عدن . ثمّ بيّن أنّ وعده مأتيّ ؛ بمعنى أنّهم يأتونه وينالون ما عدوا به ؛ لأنّه جلّ وعلا لا يخلف الميعاد . وأشار لهذا المعنى في مواضع أخر ؛ كقوله :
وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ
[ الروم : 6 ] الآية ؛ وقوله :
إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ
( 31 ) [ الرعد : 31 ] ، وقوله
رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ ( 194 ) فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ
[ آل عمران : 194 - 195 ] الآية ، وقوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً ( 107 ) وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا
( 108 ) [ الإسراء : 107 - 108 ] ، وقوله تعالى :
فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً ( 17 ) السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا
( 18 ) [ المزمل : 17 - 18 ] ، وقوله تعالى :
أَ ذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيراً ( 15 ) لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلًا
( 16 ) [ الفرقان : 15 - 16 ] إلى غير ذلك من الآيات . وقوله :
مَأْتِيًّا
اسم مفعول أتاه إذا جاءه . والمعنى : أنّهم لا بدّ أن يأتون ما وعدوا به . خلافا لمن زعم أنّ
مَأْتِيًّا
صيغة مفعول أريد بها الفاعل ؛ أي كان وعده آتيا ، إذ لا