داعي لهذا مع وضوح ظاهر الآية .
تنبيه
مثّل بعض علماء البلاغة بهذه الآية لنوع من أنواع البدل ؛ وهو بدل الكلّ من البعض ، قالوا :
جَنَّاتِ عَدْنٍ
بدل من الجنّة في قوله :
فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ
بدل كلّ من بعض .
قالوا : ومن أمثلة بدل الكلّ من البعض قوله :
رحم اللّه أعظما دفنوها * بسجستان طلحة الطّلحات
« فطلحة » بدل من قوله « أعظما » بدلّ كل من بعض . وعليه فأقسام البدل ستّة : بدل الشّيء من الشّيء . وبدل البعض من الكلّ . وبدل الكلّ من البعض . وبدل الاشتمال . وبدل البداء . وبدل الغلط .
قال مقيّده عفا اللّه عنه : ولا يتعيّن عندي في الآية والبيت كون البدل بدل كلّ من بعض ، بل يجوز أن يكون بدل الشّيء من الشّيء ، لأنّ الألف والّلام في قوله :
فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ
[ مريم : 60 ] للجنس ، وإذا كان للجنس جاز أن يراد بها جميع الجنّات ، فيكون قوله :
جَنَّاتِ عَدْنٍ
بدلا من
الْجَنَّةَ
بدل الشّيء من الشّيء ، لأنّ المراد بالأوّل الجمع كما تقدّم كثير من أمثلة ذلك . والأعظم في البيت كناية عن الشخص ، « فطلحة » بدل منه بدل الشّيء من الشّيء ، لأنّهم لم يدفنوا الأعظم وحدها بل دفنوا الشّخص المذكور جميعه ، أعظمه وغيرها من بدنه ، وعبّر هو عنه بالأعظم .
قوله تعالى :
لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلَّا سَلاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا ( 62 )
[ 62 ] .
ذكر جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة : أنّ المؤمنين إذا أدخلهم ربّهم جنّات عدن الّتي وعدهم
لا يَسْمَعُونَ فِيها
أي في الجنّات المذكورة
لَغْواً
أي كلاما تافها ساقطا كما يسمع في الدّنيا . واللّغو : هو فضول الكلام ، وما لا طائل تحته . ويدخل فيه فحش الكلام وباطله ، ومنه قول رؤبة وقيل العجّاج :
وربّ أسراب حجيج كظم * عن اللّغا ورفث التّكلّم
كما تقدّم في سورة « المائدة » .
والظّاهر أنّ قوله
إِلَّا سَلاماً
استثناء منقطع ، أي لكن يسمعون فيها سلاما ، لأنّهم يسلّم بعضهم على بعض ، وتسلّم عليهم الملائكة ، كما يدلّ على ذلك قوله تعالى :
تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ
( 23 ) [ إبراهيم : 23 ] الآية ، وقوله :
وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ ( 23 ) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ
[ الرعد : 23 - 24 ] الآية . كما تقدّم مستوفى .