كالصلوات الخمس أمر بمركب من شيئين : الأول منهما : فعل العبادة . والثاني : كونها مقترنة بالوقت المعين لها ، فإذا خرج الوقت تعذر أحدهما وهو الاقتران بالوقت المعين ، وبقي الآخر غير متعذر وهو فعل العبادة ، فيلزم من الأمر الأول فعل الجزء المقدور عليه ، لأن الأمر بالمركب أمر بأجزائه .
وهذا القول صدر به ابن قدامة في ( روضة الناظر ) وعزاه هو والغزالي في ( المستصفى ) إلى بعض الفقهاء .
وذهب جمهور أهل الأصول إلى أن الأمر بالعبادة الموقتة لا يستلزم الأمر بقضائها بعد خروج الوقت واستدلوا لذلك بقاعدة وهي ( أن تخصيص العبادة بوقت معين دون غيره من الأوقات لا يكون إلا لمصلحة تختص بذلك الوقت دون غيره ، إذ لو كانت المصلحة في غيره من الأوقات لما كان لتخصيصه دونها فائدة ) ، قالوا : فتخصيصه الصلوات بأوقاتها المعينة ، والصوم برمضان مثله ، كتخصيص الحج بعرفات ، والزكاة بالمساكين والصلاة بالقبلة ، والقتل بالكافر ونحو ذلك .
واعلم أن الذين قالوا : إن الأمر لا يستلزم القضاء ، وهم الجمهور - اختلفوا في إعادة الصلاة المتروكة عمدا على قولهم : إن تاركها غير كافر ، فذهب جمهورهم إلى وجوب إعادتها ، قالوا : نحن نقول : إن القضاء لا بد له من أمر جديد ، ولكن الصلاة المتروكة عمدا جاءت على قضائها أدلة ، منها : قياس العامد على الناسي والنائم ، المنصوص على وجوب القضاء عليهما ، قالوا : فإذا وجب القضاء على النائم ، والناسي فهو واجب على العامد من باب أولى ، وقال النووي في شرح المهذب : ومما يدل على وجوب القضاء حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أمر المجامع في نهار رمضان أن يصوم يوما مع الكفارة ، أي بدل اليوم الذي أفسده بالجماع عمدا . رواه البيهقي بإسناد جيد « 1 » ، وروى أبو داود نحوه « 2 » - انتهى كلام النووي .
ومن أقوى الأدلة على وجوب القضاء على التارك عمدا عموم الحديث الصحيح الذي قدمناه في سورة « الإسراء » الذي قال فيه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « فدين اللّه أحق أن يقضى » « 3 » ، فقوله :
« دين اللّه » اسم جنس مضاف إلى معرفة فهو عام في كل دين ، كقوله :
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ
[ إبراهيم : 34 ] الآية ، فهو عام في كل نعمة . ولا شك أن الصلاة المتروكة عمدا دين اللّه في ذمّة تاركها ، فدلّ عموم الحديث على أنّها حقيقة جديرة بأن تقضى ، ولا معارض لهذا العموم .
هامش
( 1 ) السنن الكبرى ، كتاب الصيام 4 / 226 ، 227 .
( 2 ) كتاب الصيام حديث 2393 .
( 3 ) سبق تخريجه .