في الأفراد الباقية بعد التّخصيص من غير احتياج إلى قرينة . ومثال تقديم المجاز على الإضمار عند احتمال اللفظ لكلّ واحد منهما - قول السّيد لعبده الّذي هو أكبر منه سنّا : أنت أبي ، يحتمل أنّه مجاز مرسل ، من إطلاق الملزوم وإرادة الّلازم . أي أنت عتيق ؛ لأنّ الأبوّة يلزمها العتق . ويحتمل الإضمار ؛ أي أنت مثل أبي في الشفقة والتّعظيم . فعلى الأوّل يعتق .
وعلى الثّاني لا يعتق . ومن أمثلته المسألة الّتي نحن بصددها . ومثال تقديم الإضمار على النّقل عند احتمال اللّفظ لكلّ واحد منهما قوله تعالى :
وَحَرَّمَ الرِّبا
[ البقرة : 275 ] يحتمل الإضمار ؛ أي أخذ الرّبا وهو الزيّادة في بيع درهم بدرهمين مثلا . وعلى هذا لو حذف الدّرهم الزّائد لصحّ البيع في الدّرهم بالدّرهم . ويحتمل نقل الربا إلى معنى العقد ؛ فيمتنع عقد بيع الدّرهم بالدّرهمين . ولو حذف الزائد فلا بدّ من عقد جديد مطلقا .
قال مقيّده عفا اللّه عنه : وعلى هذين الوجهين اللّذين ذكروهما في « له عليّ ألف دينار إلّا ثوبا » وهما الإضمار والنقل يرجع الاستثناء إلى كونه متصلا ، لأن قيمة الثّوب من جنس الألف الّتي أقرّبها . سواء قلنا إنّ القيمة مضمرة ، أو قلنا إنّها معبّر عنها بلفظ الثّوب .
التنبيه الثالث اعلم أنّ الخلاف في صحّة الاستثناء المنقطع هو في الحقيقة خلاف لفظيّ ؛
لأنّ الّذين منعوه لم يمنعوه بالكلّيّة ، وإنّما قالوا : إنّه ليس من الاستثناء الحقيقيّ ، لأنّ أداة الاستثناء فيه بمعنى لكن ، فهو إلى الاستدراك أقرب منه إلى الاستثناء . وبعض القائلين بالاستثناء المنقطع يقول : إنّ الثّوب في المثال المتقدّم لغو ، ويعدّ ندما من المقرّ بالألف . والنّسبة بين الاستثناء المتّصل والمنقطع عند القائلين به قيل إنّها نسبة تواطؤ . وقيل : إنّها من قبيل الاشتراك . وإلى مسألة الاستثناء المنقطع والفرق بينه وبين المتّصل أشار في مراقي السّعود بقوله :
والحكم بالنّقيض للحكم حصل * لما عليه الحكم قبل متّصل
وغيره منقطع ورجّحا * جوازه وهو مجاز أوضحا
فلتنم ثوبا بعد ألف درهم * الحذف والمجاز أو للنّدم
وقيل بالحذف لدى الإقرار * والعقد معنى الواو فيه جار
بشركة وبالتواطي قالا * بعض وأوجب فيه الاتّصالا
وما ذكرنا من أنّ الاستثناء في قوله تعالى :
لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلَّا سَلاماً
منقطع هو الظّاهر . وقيل : هو من قبيل تأكيد المدح بما يشبه الذّمّ ، كقول نابغة ذبيان :
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم * بهنّ فلول من قراع الكتائب
وقول الآخر :
فما يك في من عيب فإنّي * جبان الكلب مهزول الفصيل