تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ
[ الكهف : 29 ] . وقد قدمنا شواهده العربية في الكلام على قوله تعالى ؛
يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ
لأن ذلك الماء الذي يشوي الوجوه ليس فيه إغاثة ، كما أن جهنم ليست نزل إكرام الضيف أو قادم . الوجه الثاني - أن « نزلا » بمعنى المنزل ، أي اعتدنا جهنم للكافرين منزلا ، أي مكان نزول ، لا منزل لهم غيرها . وأضعف الأوجه ما زعمه بعضهم من أن « النزل » جمع نازل ، كجمع الشارف على شرف بضمتين . والذي يظهر في إعراب « نزلا » أنه حال مؤولة بمعنى المشتق . أو مفعول ل « اعتدنا » بتضمينه معنى صيرنا أو جعلنا . واللّه تعالى أعلم . قوله تعالى :
قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا ( 103 ) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ( 104 )
[ 103 - 104 ] آية . المعنى : هل لهم يا نبي اللّه : هل ننبئكم أي نخبركم بالأخسرين أعمالا ، أي بالذين هم أخسر الناس أعمالا وأضيعها . فالأخسر صيغه تفضيل من الخسران وأصله نقص مال التاجر ، والمراد به في القرآن غبنهم بسبب كفرهم ومعاصيهم في حظوظهم مما عند اللّه لو أطاعوه ؛ وقوله
أَعْمالًا
منصوب على التمييز : فإن قيل : نبئنا بالأخسرين أعمالا من هم ؟ كان الجواب - هم الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ، وبه تعلم أن « الذين » من قوله
الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ
خبر مبتدأ محذف جوابا للسؤال المفهوم من المقام ، ويجوز نصبه على الذم ، وجره على وأنه بدل من الأخسرين ، أو نعت له ، وقوله
ضَلَّ سَعْيُهُمْ
أي بطل عملهم وحبط ، فصار كالهباء وكالسراب وكالرماد ! كما في قوله تعالى :
وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً
( 23 ) [ الفرقان : 23 ] ، وقوله :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ
[ النور : 39 ] الآية ؟ وقوله :
مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ
[ إبراهيم : 18 ] ومع هذا فهم يعتقدون أن عملهم حسن مقبول عند اللّه . والتحقيق . أن الآية نازلة في الكفار الذين يعتقدون أن كفرهم صواب وحق ، وأن فيه رضى ربهم ؛ كما قال عن عبدة الأوثان :
ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى
[ الزمر : 3 ] ، وقال عنهم
وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ
[ يونس : 18 ] ، وقال عن الرهبان الذين يتقربون إلى اللّه على غير شرع صحيح :
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ ( 2 ) عامِلَةٌ ناصِبَةٌ ( 3 ) تَصْلى ناراً حامِيَةً
( 4 ) [ الغاشية : 2 - 4 ] الآية ، على القول فيها بذلك . وقوله تعالى في الكفار :
إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ
( 30 ) [ الأعراف : 30 ] وقوله :
وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ
( 37 ) [ الزخرف : 37 ] والدليل على
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 146 | الشنقيطي