نزولها في الكفار تصريحه تعالى بذلك في قوله بعده يليه
أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ
[ الكهف : 105 ] الآية . فقول من قال : إنهم الكفار ، وقول من قال : إنهم الرهبان ، وقول من قال : إنهم أهل الكتاب الكافرون بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم كل ذلك تشمله هذه الآية .
وقد روى البخاري في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص رضي اللّه عنه أنه سأله ابنه مصعب عن « الأخسرين أعمالا » في هذه الآية هل هم الحرورية ؟ فقال لا هم اليهود والنصارى . أما اليهود فكفروا بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم . وأما النصارى فكفروا بالجنة ، وقالوا لا طعام فيها ، ولا شراب .
والحرورية الذين ينقضون عهد اللّه من بعد ميثاقه ، وكان سعيد يسميهم الفاسقين . ا ه من البخاري « 1 » . وما روي عن علي رضي اللّه عنه من أنهم أهل حروراء المعروفون بالحروريين معناه أنهم يكون فيهم من معنى الآية بقدر ما فعلوا ، لأنهم يرتكبون أمورا شنيعة من الضلال ، ويعتقدون أنها هي معنى الكتاب والسنة ، فقد ضل سيعهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا . وإن كانوا في ذلك أقل من الكفار المجاهرين ؛ لأن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب كما قد قدمنا إيضاحه وأدلته .
وقوله في هذه الآية الكريمة :
الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ
[ 104 ] أي بطل واضمحل . وقد قدمنا أن الضلال يطلق في القرآن واللغة العربية ثلاثة إطلاقات :
الأول - الضلال بمعنى الذهاب عن طريق الحق إلى طريق الباطل ؛ كالذهاب عن الإسلام إلى الكفر . وهذا أكثر استعمالاته في القرآن ؛ ومنه قوله تعالى :
غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ
( 7 ) [ الفاتحة : 7 ] ، وقوله :
وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ
( 77 ) [ المائدة : 77 ] .
الثاني - الضلال بمعنى الهلاك والغيبة والاضمحلال ، ومنه قول العرب : ضل السمن في الطعام إذا استهلك فيه وغاب فيه . ومنه بهذا المعنى قوله تعالى :
وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ
( 75 ) [ القصص : 75 ] أي غاب واضمحل ، وقوله هنا :
الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ
أي بطل واضمحل ، وقول الشاعر :
ألم تسأل فتخبرك الديار * عن الحي المضلل أين ساروا
أي عن الحي الذي غاب واضمحل ، ومن هنا سمي الدفن إضلالا ؛ لأن مآل الميت المدفون إلى أن تختلط عظامه بالأرض ، فيضل فيها كما يضل السمن في الطعام . ومن إطلاق الضلال على الدفن قول نابغة ذبيان :
فآب مضلوه بعين جلية * وغودر بالجولان حزم ونائل
فقوله « مضلوه » يعني دافنيه في قبره . ومن هذا المعنى قوله تعالى :
وَقالُوا أَ إِذا ضَلَلْنا
هامش
( 1 ) كتاب التفسير حديث 4728 .