وَعَشِيًّا
[ غافر : 46 ] ، وقوله تعالى :
وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا
[ الكهف : 48 ] ، ونظيره في كلام العرب من إتيان اللام بمعنى على - البيت الذي قدمناه في أول سورة « هود » ، وقدمنا الاختلاف في قائله ، وهو قوله :
هتكت له بالرمح جيب قميصه * فخر صريعا لليدين وللفم
أي خر صريعا على اليدين :
وقد علم من هذه الآيات : أن النار تعرض عليهم ويعرضون عليها ؛ لأنها تقرب إليهم ويقربون إليها ؛ كما قال تعالى في عرضها عليهم هنا :
وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً
( 100 ) ، وقال في عرضهم عليها :
وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ *
الآية ، ونحوها من الآيات . وقد بينا شيئا من صفات عرضهم دلت عليه آيات أخر من كتاب اللّه في الكلام على قوله تعالى
وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا
. وقول من قال : إن قوله هنا : « وعرضنا جهنم » الآية فيه قلب ؛ وأن المعنى : وعرضنا الكافرين لجهنم أي عليها - بعيد كما أوضحه أبو حيان في البحر . واللّه تعالى أعلم .
قوله تعالى :
الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً ( 101 )
[ 101 ] آية .
التحقيق في قوله :
الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ
أنه في محل خفص نعتا للكافرين . وقد بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن من صفات الكافرين الذين تعرض لهم جهنم يوم القيامة - أنهم كانت أعينهم في دار الدنيا في غطاء عن ذكره تعالى ، وكانوا لا يستطيعون سمعا . وقد بين هذا من صفاتهم في آيات كثيرة ، كقوله في تغطية أعينهم :
وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ
[ البقرة : 7 ] الآية ، وقوله
وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً
[ الجاثية : 14 ] الآية ، وقوله :
* أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى
[ الرعد : 19 ] ، وقوله :
وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ
[ غافر : 58 ] الآية ، والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا . وقال في عدم استطاعتهم السمع :
أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ
( 23 ) [ محمد : 23 ] ، وقال :
إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً
[ الكهف : 57 ] . وقد بينا معنى كونهم لا يستطيعون السمع في أول سورة « هود » في الكلام على قوله تعالى :
يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ
( 20 ) [ هود : 20 ] فأغنى عن إعادته هنا . وقد بينا أيضا طرفا من ذلك في الكلام على قوله تعالى في هذه السورة الكريمة :
إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً
وقد بين تعالى في موضع آخر : أن الغطاء المذكور الذي يعشو بسببه البصر عن ذكره تعالى يقيض اللّه لصاحبه شيطانا فيجعله له قرينا ؛ وذلك في قوله تعالى :
وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ
( 36 ) [ الزخرف : 36 ] الآية .