عن الإحسان » « 1 » ، أي وهو الذي خلق الخلق لأجل الاختيار فيه ، فبين النبي صلى اللّه عليه وسلم أن الطريق إلى ذلك هي هذا الواعظ ، والزاجر الأكبر الذي هو مراقبة اللّه تعالى ، والعلم بأنه لا يخفى عليه شيء مما يفعل خلقه ، فقال له : « الإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك » .
واختلف العلماء في المراد بقوله في هذه الآية الكريمة
أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ
وقوله
يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ
وفي مرجع الضمير في قوله :
مِنْهُ
.
فقال بعض العلماء : معنى
يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ
يزورون عن الحق ، وينحرفون عنه ، لأن من أقبل على الشيء استقبله بصدره ، ومن أزور عنه وانحرف ثنى عنه صدره ، وطو عنه كشحه . بهذا فسره الزمخشري في الكشاف .
قال مقيده - عفا اللّه عنه - وهذا المعنى معروف في كلام العلاب ، فهم يعبرون باعوجاج الصدر عن العدول عن الشيء والميل عنه ، ويعبرون بإقامة الصدر عن القصد إلى الشيء وعدم الميل عنه .
فمن الأول قول ذي الرمة غيلان بن عقبة العدوي عدي الرباب :
خليلي عوجا بارك اللّه فيكما * على دارمي من صدور الركائب
تكن عوجة يجزيكما اللّه عنده * بها الأجر أو تقضي ذمامة صاحب
يعني : اثنيا صدور الركائب إلى دارمي .
ومن الثاني قول الشنفر :
أقيموا بني أمي صدور مطيكم * فإني إلى قوم سواكم لأميل
وقول الآخر :
أقول لأم زنباع أقيمي * صدور العيش شطر بني تميم
وقيل : نزلت هذه الآية الكريمة في الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة .
كان حلو المنطق ، يلقى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بما يحب وينطوي له بقلبه على ما يسوء .
وقيل : نزلت في بعض المنافقين ، كان إذا مر بالنبيّ صلى اللّه عليه وسلم ثنى صدره وظهره ، وطوطا رأسه وغطى وجهه لكيلا يراه النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فيدعوه إلى الإيمان . حكي معناه عن عبد اللّه بن شداد .
هامش
( 1 ) أخرجه عن أبي هريرة : البخاري في الإيمان حديث 43 ، والتفسير حديث 304 ، ومسلم في الإيمان حديث 5 ، وابن ماجة في الإيمان حديث 64 ، وأحمد في المسند 2 / 426 ، وأخرجه عن ابن عمر مسلم في الإيمان حديث 1 ، وأبو داود في السنة حديث 4695 ، والترمذي في الإيمان حديث 2610 ، وأحمد في المسند 1 / 52 ، 53 ، وأخرجه عن عمر بن الخطاب : ابن ماجة في المقدمة حديث 63 ، وأحمد في المسند 1 / 51 .