تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 461

مساهمون:

ص٤٦١
فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى
( 49 ) [ طه : 49 ] ، وقوله :
قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ
( 23 ) [ الشعراء : 23 ] كل ذلك منه تجاهل عارف . وقد أوضح جل وعلا هذا المعنى مبينا سبب جحوده لما علمه « في سورة النمل » بقوله :
وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ ( 12 ) فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ ( 13 ) وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا
[ النمل : 12 - 14 ] الآية . قوله تعالى :
وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ
[ 105 ] . بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أنه أنزل هذا القرآن بالحق : أي متلبسا به متضمنا له ؛ فكل ما فيه حق . فأخباره صدق ، وأحكامه عدل ؛ كما قال تعالى :
وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا
[ الأنعام : 115 ] وكيف لا ! وقد أنزله جل وعلا بعلمه ؛ كما قال تعالى :
لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ
[ النساء : 166 ] الآية ، وقوله :
وَبِالْحَقِّ نَزَلَ
يدل على أنه لم يقع فيه تغيير ولا تبديل في طريق إنزاله ؛ لأن الرسول المؤتمن على إنزاله قوي لا يغلب عليه حتى يغير فيه ، أمين لا يغير ولا يبدل ؛ كما أشار إلى هذا بقوله :
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ( 193 ) عَلى قَلْبِكَ
[ الشعراء : 193 - 194 ] الآية ، وقوله :
إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ( 19 ) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ( 20 ) مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ
( 21 ) [ التكوير : 19 - 21 ] الآية ، وقوله : في هذه الآية :
لَقَوْلُ رَسُولٍ
أي لتبليغه عن ربه ؛ بدلالة لفظ الرسول لأنه يدل على أنه مرسل به . قوله تعالى :
وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ
[ 106 ] . قرأ هذا الحرف عامة القرآء « فرقناه » بالتخفيف : أي بيناه وأوضحناه ، وفصلناه وفرقنا فيه بين الحق والباطل . وقرأ بعض الصحابة
فَرَقْناهُ
بالتشديد : أي أنزلناه مفرقا بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة . ومن إطلاق فرق بمعنى بين وفصل قوله تعالى :
فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ
( 4 ) [ الدخان : 4 ] الآية . وقد بين جل وعلا أنه بين هذا القرآن لنبيه ليقرأه على الناس على مكث ، أي مهل وتؤدة وتثبت ، وذلك يدل على أن القرآن لا ينبغي أن يقرأ إلا كذلك . وقد أمر تعالى بما يدل على ذلك في قوله :
وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا
( 4 ) [ المزمل : 4 ] ويدل لذلك أيضا قوله :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا
( 32 ) [ الفرقان : 32 ] وقوله تعالى :
وَقُرْآناً
منصوب بفعل محذوف يفسره ما بعده ؛ على حد قوله في الخلاصة :
فالسابق انصبه بفعل أضمرا * حتما موافق لما قد أظهرا
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 461 | الشنقيطي