تأويل كما تر . وعلى هذا الوجه من التفسير - فالمعنى : فمحونا الآية الّتي هي الليل ، وجعلنا الآية الّتي هي النهار مبصرة ؛ أي جعلنا اللّيل ممحوّ الضوء مطموسه ، مظلما لا تستبان فيه الأشياء كما لا يستبان ما في اللوح الممحوّ . وجعلنا النهار مبصرا ؛ أي تبصر فيه الأشياء وتستبان .
وقوله في هذه الآية الكريمة :
وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا
( 12 ) [ الإسراء : 12 ] تقدّم إيضاحه ، والآيات الدالّة عليه في سورة « النحل » في الكلام على قوله تعالى :
وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ
[ النحل : 89 ] الآية .
قوله تعالى :
وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً ( 13 ) اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ( 14 )
[ 13 - 14 ] .
في قوله جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة
وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ
وجهان معروفان من التفسير :
الأوّل - أنّ المراد بالطائر : العمل ، من قولهم : طار له سهم إذا خرج له . أي ألزمناه ما طار له من عمله .
الثاني - أنّ المراد بالطائر ما سبق له في علم اللّه من شقاوة أو سعادة . والقولان متلازمان ؛ لأن ما يطير له من العمل هو سبب ما يؤول إليه من الشقاوة أو السعادة .
فإذا عرفت الوجهين المذكورين فاعلم - أنّا قدّمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك : أنّ الآية قد يكون فيها للعلماء قولان أو أقوال ، وكلّها حقّ ، ويشهد له قرآن - فنذكر جميع الأقوال وأدلّتها من القرآن ؛ لأنّها كلّها حقّ ، والوجهان المذكوران في تفسير هذه الآية الكريمة كلاهما يشهد له قرآن .
أما على القول الأول بأن المراد بطائره عمله - فالآيات الدالّة على أنّ عمل الإنسان لازم له كثيرة جدا ؛ كقوله تعالى :
لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ
[ النساء : 123 ] الآية ، وقوله
إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
( 16 ) [ الطور : 16 ] ، وقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ
( 6 ) [ الانشقاق : 6 ] ، وقوله :
مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها
[ فصلت : 46 ] ، والآيات بمثل هذا كثيرة جدا .
وأمّا على القول بأنّ المراد بطائره نصيبه الّذي طار له في الأزل من الشقاوة أو السعادة - فالآيات الدالّة على ذلك أيضا كثيرة ، كقوله :
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ
[ التغابن : 2 ] ، وقوله :
وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ
[ هود : 119 ] أي للاختلاف إلى شقيّ وسعيد خلقهم . وقوله :
فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ
[ الأعراف : 30 ] ، وقوله :
فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ
( 7 ) [ الشور : 7 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .