تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 341

مساهمون:

ص٣٤١
لكون الشمس والقمر آيتين تقدمت موضحة في سورة النحل . الوجه الثاني من التفسير - أنّ الآية الكريمة ليس فيها مضاف محذوف ، وأنّ المراد بالآيتين نفس اللّيل والنهار ، لا الشمس والقمر . وعلى هذا القول فإضافة الآية إلى اللّيل والنهار من إضافة الشيء إلى نفسه مع اختلاف اللفظ ، تنزيلا لاختلاف اللّفظ منزلة الاختلاف في المعنى . وإضافة الشيء إلى نفسه مع اختلاف اللفظ كثيرة في القرآن وفي كلام العرب . فمنه في القرآن قوله تعالى :
شَهْرُ رَمَضانَ
[ البقرة : 185 ] الآية ، ورمضان هو نفس الشهر بعينه على التحقيق ، وقوله :
وَلَدارُ الْآخِرَةِ
[ يوسف : 109 ] الآية ، والدار هي الآخرة بعينها ؛ بدليل قوله في موضع آخر :
وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ
[ الأنعام : 32 ] بالتعريف ، والآخرة نعت للدار ؛ وقوله :
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ
( 16 ) [ ق : 16 ] والحبل هو الوريد ، وقوله :
وَمَكْرَ السَّيِّئِ
[ فاطر : 43 ] الآية ، والمكر هو السيء بدليل قوله
وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ
[ فاطر : 43 ] . ومن أمثلته في كلام العرب قول امرء القيس :
كبكر المقاناة البياض بصفرة * غذاها نمير الماء غير المحلل
لأن المقاناة هي البكر بعينها ، وقول عنترة في معلقته :
ومشك سابغة هتكت فروجها * بالسيف عن حامي الحقيقة معلم
لأن مراده بالمشك : السابغة بعينها ؛ بدليل قوله : هتكت فروجها ؛ لأن الضمير عائد إلى السابغة التي عبر عنها بالمشك . وقد أوضحنا هذه المسألة في كتابنا ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ) في سورة فاطر . وبيّنا أنّ الّذي يظهر لنا : أن إضافة الشيء إلى نفسه مع اختلاف لفظ المضاف والمضاف إليه أسلوب من أساليب اللغة العربية ؛ لأنّ تغاير اللفظين ربما نزل منزلة التغاير المعنوي ؛ لكثرة الإضافة المذكورة في القرآن وفي كلام العرب . وجزم بذلك ابن جرير في بعض مواضعه في القرآن . وعليه فلا حاجة إلى التأويل المشار إليه بقوله في الخلاصة :
ولا يضاف اسم لما به اتحد * معنى وأول موهما إذا ورد
وممّا يدلّ على ضعف التأويل المذكور قوله :
وإن يكونا مفردين فأضف * حتما وإلا أتبع الذي ردف
لأنّ إيجاب إضافة العلم إلى اللّقب مع اتحادهما في المعنى إن كانا مفردين المستلزم للتأويل ، ومنع الاتباع الّذي لا يحتاج إلى تأويل - دليل على أن ذلك من أساليب اللغة العربية ، ولو لم يكن من أساليبها لوجب تقديم ما لا يحتاج إلى تأويل على المحتاج إلى
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 341 | الشنقيطي