قوله تعالى :
وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 96 )
[ 96 ] .
أقسم جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أنه سيجزي الذين صبروا أجرهم - أي جزاء عملهم - بأحسن ما كانوا يعلمون .
وبين في مواضع آخر : أنه جزاء بلا حساب ؛ كما في قوله :
إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ
( 10 ) [ الزمر : 10 ] .
تنبيه
استنبط بعض العلماء من هذه الآية الكريمة : أن فعل المباح حسن ؛ لأن قوله في هذه الآية
بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
( 96 ) صيغة تفضيل تدل على المشاركة ، والواجب أحسن من المندوب ، والمندوب أحسن من المباح ؛ فيجازون بالأحسن الذي هو الواجب والمندوب ، دون مشاركهما في الحسن وهو المباح ؛ وعليه درج في مراقي السعود في قوله :
ما ربنا لم ينه عنه حسن * وغيره القبيح والمستهجن
إلا أن الحسن ينقسم إلى حسن وأحسن ؛ ومن ذلك قوله تعالى لموسى
فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها
[ الأعراف : 145 ] الآية . فالجزاء المنصوص عليه في قوله :
وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ
[ النحل : 126 ] حسن . والصبر المذكور في قوله :
وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ
( 126 ) [ النحل : 126 ] أحسن ؛ وهكذا . وقرأ هذا الحرف ابن كثير وعاصم وابن ذكوان بخلف عنه « ولنجزين » بنون العظمة . وقرأه الباقون بالياء ، وهو الطريق الثاني لابن ذكوان .
قوله تعالى :
مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 97 )
[ 97 ] .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن كل عامل سواء كان ذكرا أو أنثى عمل عملا صالحا فإنه جل وعلا يقسم ليحيينه حياة طيبة ، وليجزينه أجره بأحسن ما كان يعمل .
اعلم أولا - أن القرآن العظيم دل على أن العمل الصالح هو ما استكمل ثلاثة أمور :
الأول - موافقته لما جاء به النبي صلى اللّه عليه وسلم ؛ لأن اللّه يقول :
وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا
[ الحشر : 7 ] .
الثاني - أن يكون خالصا للّه تعالى ؛ لأن اللّه جل وعلا يقول :
وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ