عباد اللّه لوجه اللّه عمل أحسن فيه صاحبه . وقد فسر النبي صلى اللّه عليه وسلم الإحسان في حديث جبريل بقوله : « أن تعبد اللّه كأنك تراه ؛ فإن لم تكن تراه فإنه يراك » « 1 » . وقد قدمنا إيضاح ذلك ( في سورة هود ) .
فإذا عرفت هذا ، فاعلم أن أقوال المفسرين في الآية الكريمة راجعة في الجملة إلى ما ذكرنا ؛ كقول ابن عباس : العدل : لا إله إلا اللّه ، والإحسان : أداء الفرائض ؛ لأن عبادة الخالق دون المخلوق هي عين الإنصاف والقسط ، وتجنب التفريط والإفراط . ومن أد فرائض اللّه على الوجه الأكمل فقد أحسن ؛ ولذا قال النبي صلى اللّه عليه وسلم في الرجل الذي حلف لا يزيد على الواجبات : « أفلح إن صدق » « 2 » . وكقول سفيان : العدل : استواء العلانية والسريرة .
والإحسان : أن تكون السريرة أفضل من العلانية . وكقول علي رضي اللّه عنه : العدل :
الإنصاف . والإحسان : التفضل . إلى غير ذلك من أقوال السلف . والعلم عند اللّه تعالى :
وقوله
يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ( 90 )
[ 90 ] .
الوعظ : الكلام الذي تلين له القلوب .
تنبيه
فإن قيل : يكثر في القرآن إطلاق الوعظ على الأوامر والنواهي ؛ كقوله هنا
يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
( 90 ) مع أنه ما ذكر إلا الأمر والنهي في قوله :
* إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ
[ النحل : 90 ] إلى قوله
وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ
[ النحل : 90 ] الآية ، وكقوله في ( سورة البقرة ) بعد أن ذكر أحكام الطلاق والرجعة :
ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
[ البقرة : 232 ] ، وقوله ( في الطلاق ) في نحو ذلك أيضا :
ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
[ الطلاق : 2 ] . وقوله في النهي عن مثل قذف عائشة :
يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً
[ النور : 17 ] الآية . مع أن المعروف عند الناس : أن الوعظ يكون بالترغيب والترهيب ونحو ذلك ، لا بالأمر والنهي .
فالجواب - أن ضابط الوعظ : هو الكلام الذي تلين له القلوب ، وأعظم ما تلين له قلوب العقلاء أوامر ربهم نواهيه ؛ فإنهم إذا سمعوا الأمر خافوا من سخط اللّه في عدم امتثاله ، وطمعوا فيما عند اللّه من الثواب في امتثاله . وإذا سمعوا النهي خافوا من سخط اللّه في عدم اجتنابه ، وطمعوا فيما عنده من الثواب في اجتنابه ؛ فحداهم حادي الخوف والطمع
هامش
( 1 ) سبق تخريجه .
( 2 ) سبق تخريجه .