وإنما كان النصب هنا أرجح من الرفع لأنه معطوف على معمول فعل ، وهو قوله تعالى :
خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ
[ النحل : 4 ] الآية ، فيكون عطف الجملة الفعلية على الجملة الفعلية أولى من عطف الإسمية على الفعلية لو رفع الاسم السابق ؛ وإلى هذا أشار ابن مالك في الخلاصة بقوله عاطفا على ما يختار فيه النصب :
وبعد عاطف بلا فصل على * معمول فعل مستقر أولا
وقال بعض العلماء : إن قوله
وَالْأَنْعامَ
معطوف على
الْإِنْسانَ
من قوله
خَلَقَ الْإِنْسانَ
والأول أظهر كما تر .
وأظهر أوجه الإعراب في قوله
لَكُمْ فِيها دِفْءٌ
أن قوله
دِفْءٌ
مبتدأ خبره
لَكُمْ فِيها
وسوغ الابتداء بالنكرة اعتمادها على الجار والمجرور قبلها وهو الخبر كما هو معروف . خلافا لمن زعم أن
دِفْءٌ
فاعل الجار والمجرور الذي هو
لَكُمْ
.
وفي الآية أوجه أخر ذكرها بعض العلماء تركنا ذكرها لعدم اتجاهها عندنا ، والعلم عند اللّه تعالى .
وقوله في هذه الآية الكريمة :
وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ
[ النحل : 6 ] يعني أن اقتناء هذه الأنعام وملكيتها فيه لمالكها عند الناس جمال ؛ أي عظمة ورفعة ، وسعادة في الدنيا لمقتنيها . وكذلك قال في الخيل والبغال والحمير
لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً
[ النحل : 8 ] فعبر في الأنعام بالجمال ، وفي غيرها بالزينة . والجمال : مصدر جمل فهو جميل وهي جميلة .
ويقال أيضا : هي جملاء ؛ وأنشد لذلك الكسائي قول الشاعر :
فهي جملاء كبدر طالع * بذت الخلق جميعا بالجمال
والزينة : ما يتزين به . وكانت العرب تفتخر بالخيل والإبل ونحو ذلك ؛ كالسلاح . ولا تفتخر بالبقر والغنم . ويدل لذلك قول العباس بن مرداس يفتخر بمآثر قبيلته بني سليم :
واذكر بلاء سليم في مواطنها * ففي سليم لأهل الفخر مفتخر
قوم هم نصروا الرحمن واتبعوا * دين الرسول وأمر الناس مشتجر
لا يغرسون فسيل النخل وسطهم * ولا تخاور في مشتاهم البقر
إلا سوابح كالعقبان مقربة * في دارة حولها الأخطار والعكر
والسوابح : الخيل . والمقربة : المهيأة المعدة قريبا . والأخطار : جمع خطر - بفتح فسكون ، أو كسر فسكون - وهو عدد كثير من الإبل على اختلاف في قدره . والعكر - بفتحتين - : جمع عكرة ، وهي القطيع الضخم من الإبل أيضا على اختلاف في تحديد قدره .
وقول الآخر :