فقوله هنا « من بين الصلب والترائب » يدل على أن الأمشاج هي الأخلاط المذكورة .
وأمر الإنسان بأن ينظر مم خلق في قوله :
فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ
( 5 ) [ الطارق : 5 ] تنبيه له على حقارة ما خلق منه ؛ ليعرف قدره ، ويترك التكبر والعتو ، ويدل لذلك قوله :
أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ
( 20 ) [ المرسلات : 20 ] الآية .
وبين جل وعلا حقارته بقوله :
أَ يَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ ( 38 ) كَلَّا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ
( 39 ) [ المعارج : 38 - 39 ] والتعبير عن النطفة بما الموصولة في قوله :
مِمَّا يَعْلَمُونَ
فيه غاية تحقير ذلك الأصل الذي خلق منه الإنسان . وفي ذلك أعظم ردع ، وأبلغ زجر عن التكبر والتعاظم .
وقوله جل وعلا :
فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ
( 4 ) [ النحل : 4 ] أظهر القولين فيه : أنه ذم للإنسان المذكور . والمعنى : خلقناه ليعبدنا ويخضع لنا ويطبع ؛ ففاجأ بالخصومة والتكذيب ، كما تدل عليه « إذا » الفجائية . ويوضح هذا المعنى قوله :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
( 56 ) [ الذاريات : 56 ] مع قوله جل وعلا :
أَ وَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ( 77 ) وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ( 78 ) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ
( 79 ) [ يس : 77 - 79 ] ، وقوله :
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً ( 54 ) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً
( 55 ) [ الفرقان : 54 - 55 ] ، وقوله :
وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَ إِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا ( 66 ) أَ وَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً
( 67 ) [ مريم : 66 - 67 ] إلى غير ذلك من الآيات . وسيأتي إن شاء اللّه تعالى زيادة إيضاح لهذا المبحث في « سورة الطارق » .
تنبيه
اختلف علماء العربية في « إذا » الفجائية ؛ فقال بعضهم : هي حرف . وممن قال به الأخفش . قال ابن هشام في « المغني » : ويرجح هذا القول قولهم : خرجت فإذا إن زيدا بالباب ( بكسر إن ) لأن « إن » المكسورة لا يعمل ما بعدها فيما قبلها . وقال بعضهم : هي ظرف مكان . وممن قال به المبرد . وقال بعضهم : هي ظرف زمان . وممن قال به الزجاج .
الخصيم : صيغة مبالغة ، أي شديد الخصومة . وقيل الخصيم المخاصم ؛ وإتيان الفعيل بمعنى المفاعل كثير في كلام العرب ، كالقعيد بمعنى المقاعد ، والجليس بمعنى المجالس ، والآكيل بمعنى المؤاكل ، ونحو ذلك .
وقوله : « مبين » الظاهر أنه اسم فاعل أبان اللازمة ، بمعنى بان وظهر ؛ أي بين الخصومة . ومن إطلاق أبان بمعنى بان قول جرير :
إذا آباؤنا وأبوك عدوا * أبان المقرفات من العراب