لعمري لقوم قد تر أمس فيهم * مرابط للأمهار والعكر الدثر
أحب إلينا من أناس بقنة * يروح على آثار شائهم النمر
وقوله : « العكر الدثر » أي المال الكثير من الإبل . وبدأ بقوله :
حِينَ تُرِيحُونَ
[ النحل : 6 ] لأنها وقت الرواح أملأ ضروعا وبطونا منها وقت سراحها للمرعى .
وأظهر أوجه الإعراب في قوله :
وَزِينَةً
[ النحل : 8 ] أنه مفعول لأجله ، معطوف على ما قبله ؛ أي لأجل الركوب والزينة .
قوله تعالى :
وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ ( 8 )
[ 8 ] .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه يخلق ما لا يعلم المخاطبون وقت نزولها ، وأبهم ذلك الذي يخلقه لتعبيره عنه بالموصول ولم يصرح هنا بشيء منه ، ولكن قرينة ذكر ذلك في معرض الامتنان بالمركوبات تدل على أن منه ما هو من المركوبات ، وقد شوهد ذلك في إنعام اللّه على عباده بمركوبات لم تكن معلومة وقت نزول الآية ، كالطائرات ، والقطارات ، والسيارات .
ويؤيد ذلك إشارة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم إلى ذلك في الحديث الصحيح . قال مسلم بن الحجاج رحمه اللّه في صحيحه : حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا ليث ، عن سعيد بن أبي سعيد ، عن عطاء بن ميناء ، عن أبي هريرة أنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « واللّه لينزلن ابن مريم حكما عادلا فليكسرن الصليب ، وليقتلن الخنزير ، وليضعن الجزية ، ولتتركن القلاص فلا يسعى عليها ، ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد ، وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد » « 1 » اه .
ومحل الشاهد من هذا الحديث الصحيح - قوله صلى اللّه عليه وسلم : « ولتتركن القلاص فلا يسعى عليها » فإنه قسم من النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه ستترك الإبل فلا يسعى عليها ، وهذا مشاهد الآن للاستغناء عن ركوبها بالمراكب المذكورة .
وفي هذا الحديث معجزة عظمى ، تدل على صحة نبوته صلى اللّه عليه وسلم وإن كانت معجزاته صلوات اللّه عليه وسلامه أكثر من أن تحصر .
وهذه الدلالة التي ذكرنا تسمى دلالة الاقتران ، وقد ضعفها أكثر أهل الأصول ، كما أشار له صاحب مراقي السعود بقوله :
أما قران اللفظ في المشهور * فلا يساوي في سو المذكور
وصحح الاحتجاج بها بعض العلماء . ومقصودنا من الاستدلال بها هنا أن ذكر
ما لا تَعْلَمُونَ
( 8 ) [ النحل : 8 ] في معرض الامتنان بالمركوبات لا يقل عن قرينة دالة على أن
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في الإيمان حديث 243 .