الآية تشير إلى أن من المراد بها بعض المركوبات ، كما قد ظهرت صحة ذلك بالعيان .
وقد ذكر في موضع آخر : أنه يخلق ما لا يعلمه خلقه غير مقترن بالامتنان بالمركوبات ، وذلك في قوله
سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ ( 36 )
[ يس : 36 ] .
قوله تعالى :
وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ
[ 9 ] .
اعلم أولا - أن قصد السبيل : هو الطريق المستقيم القاصد ، الذي لا اعوجاج فيه ، وهذا المعنى معروف في كلام العرب ؛ ومنه قول زهير بن أبي سلمى المزني :
صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله * وعر أفراس الصبا ورواحله
وأقصرت عما تعلمين وسددت * علي سو قصد السبيل معادله
وقول امرء القيس :
ومن الطريقة جائر وهد * قصد السبيل ومنه ذو دخل
فإذا علمت ذلك فاعلم : أن في معنى الآية الكريمة وجهين معروفين للعلماء ، وكل منهما مصداق في كتاب اللّه ، إلا أن أحدهما أظهر عندي من الآخر .
الأول منهما - أن معنى
وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ
: أن طريق الحق التي هي قصد السبيل على اللّه ، أي موصلة إليه ، ليست حائدة ، ولا جائرة عن الوصول إليه وإلى مرضاته .
وَمِنْها جائِرٌ
: أي من الطريق جائر لا يصل إلى اللّه ، بل هو زائغ وحائد عن الوصول إليه . ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى :
وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ
[ الأنعام : 153 ] ، وقوله :
وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ
( 61 ) [ يس :
61 ] .
ويؤيد هذا التفسير قوله بعده :
وَمِنْها جائِرٌ
وهذا الوجه أظهر عندي . واستظهره ابن كثير وغيره ، وهو قول مجاهد .
الوجه الثاني - أن معنى الآية الكريمة :
وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ
أي عليه جل وعلا أن يبين لكم طريق الحق على ألسنة رسله .
ويدل لهذا الوجه قوله تعالى :
رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ
[ النساء : 165 ] ، وقوله :
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
( 15 ) [ الإسراء : 15 ] ، وقوله :
فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ
( 12 ) [ التغابن : 12 ] إلى غير ذلك من الآيات .
وعلى هذا القول ، فمعنى قوله :
وَمِنْها جائِرٌ
غير واضح ، لأن المعنى : ومن الطريق جائر عن الحق ، وهو الذي نهاكم اللّه عن سلوكه . والجائر : المائل عن طريق الحق .