تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
أنه عقب ذلك بقوله سبحانه وتعالى
عَمَّا يُشْرِكُونَ
( 1 ) [ النحل : 1 ] فدل بذلك على تقريعه المشركين به ووعيده لهم اه . قوله تعالى :
يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ
[ 2 ] . أظهر الأقوال في معنى الروح في هذه الآية الكريمة : أن المراد بها الوحي ؛ لأن الوحي به حياة الأرواح ، كما أن الغذاء به حياة الأجسام . ويدل لهذا قوله تعالى :
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ
[ الشور : 52 ] ، وقوله :
رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ ( 15 ) يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ
( 16 ) [ غافر : 15 - 16 ] . ومما يدل على أن المراد بالروح الوحي إتيانه بعد قوله :
يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ
بقوله :
أَنْ أَنْذِرُوا
[ النحل : 2 ] لأن الإنذار إنما يكون بالوحي ، بدليل قوله :
قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ
[ يوسف : 45 ] الآية . وكذلك إتيانه بعد قوله :
يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ
[ غافر : 15 ] بقوله :
إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا
[ غافر : 15 ] الآية . لأن الإنذار إنما يكون بالوحي أيضا . وقرأ هذا الحرف ابن كثير وأبو عمرو « ينزل » بضم الياء وإسكان النون وتخفيف الزاي . والباقون بالضم والتشديد . ولفظه « من » في الآية تبعيضية ، أو لبيان الجنس . وقوله :
عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ
[ النحل : 2 ] أي ينزل الوحي على من اختاره وعلمه أهلا لذلك ؛ كما بينه تعالى بقوله :
اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ
[ الحج : 75 ] ، وقوله :
اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ
[ الأنعام : 124 ] ، وقوله :
يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ
[ غافر : 15 ] ، وقوله :
بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ
[ البقرة : 90 ] . وهذه الآيات وأمثالها رد على الكفار في قولهم :
لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ
( 31 ) [ الزخرف : 31 ] . قوله تعالى :
أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ ( 2 )
[ 2 ] . الأظهر في « أن » من قوله :
أَنْ أَنْذِرُوا
أنها هي المفسرة ؛ لأن إنزال الملائكة بالروح - أي بالوحي - فيه معنى القول دون حروفه ؛ فيكون المعنى : أن الوحي الذي أنزلت به الملائكة مفسر بإنذار الناس « بلا إله إلا اللّه » وأمرهم بتقواه . وقد أوضح جل وعلا هذا المعنى في آيات كثيرة ؛ كقوله :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ
( 25 ) [ الأنبياء : 25 ] ، وقوله :
وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ