ويؤيد هذا : ما أخرجه أحمد ، وابن ماجة ، عن عمر ، أنه قال : من آخر ما نزل آية الرّبا ، وإن كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قبض قبل أن يفسّرها « 1 » .
دلّ فحوى الكلام على أنه كان يفسّر لهم كلّ ما نزل ، وأنه إنما لم يفسر هذه الآية لسرعة موته بعد نزولها ، وإلّا لم يكن للتخصيص بها وجه .
وأما ما أخرجه البزّار عن عائشة ، قالت : ما كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يفسّر شيئا من القرآن إلّا آيا بعد علمه إياهنّ من جبريل « 2 » .
فهو حديث منكر ، كما قاله ابن كثير ؛ وأوّله ابن جرير وغيره على أنها إشارات إلى آيات مشكلات أشكلن عليه ، فسأل اللّه علمهنّ ، فأنزله إليه على لسان جبريل .
وقد منّ اللّه تعالى بإتمام هذا الكتاب البديع المثال ، المنيع المنال ، الفائق بحسن نظامه على عقود اللآل ، الجامع لفوائد ومحاسن لم تجتمع في كتاب قبله في العصور الخُوّال .
أسّست فيه قواعد معينة على فهم الكتاب المنزل ، وبيّنت فيه مصاعد يرتقى فيها للإشراف على مقاصده ويتوصّل ، وأركزت فيه مراصد تفتح من كنوزه كلّ باب مقفل .
فيه لباب العقول ، وعباب المنقول ، وصواب كلّ قول مقبول . محّضت فيه كتب العلم على تنوّعها ، وأخذت زبدها ودرّها ، ومررت على رياض التفاسير على كثرة عددها واقتطفت ثمرها وزهرها ، وغصت بحار فنون القرآن فاستخرجت جواهرها ودررها ، وبقرت عن معادن كنوز فخلّصت سبائكها ، وسبكت فقرها .
فلهذا تحصّل فيه من البدائع ما تبتّ عنده الأعناق بتا ، وتجمّع في كلّ نوع منه ما تفرّق في مؤلّفات شتى ، على أني لا أبيعه بشرط البراءة من كلّ عيب ، ولا أدّعي أنه جمع سلامة ، كيف والبشر محلّ النقص بلا ريب ، هذا وإنّي في زمان ملأ اللّه قلوب أهليه من
هامش
( 1 ) رواه ابن ماجة في سننه ، حديث رقم ( 2276 ) وأحمد في المسند 1 / 36 - 49 - 50 .
وسنده ضعيف ، فيه : سعيد بن المسيب ، لم يسمع من عمر بن الخطاب . انظر جامع التحصيل ص 184 - 185 .
( 2 ) رواه البزار في مسنده ، حديث رقم ( 2185 ) 3 / 39 ( كشف الأستار ) . وأبو يعلى في مسنده ، حديث رقم ( 4528 ) 8 / 23 .
قلت : فيه راو مبهم عند أبي يعلى ، وسماه حفص - أظنه ابن عبد اللّه - عند البزار .
قال الهيثمي في مجمع الزوائد 6 / 303 : « رواه أبو يعلى والبزار بنحوه ، وفيه راو لم يتحرر اسمه عند واحد منهما ، وبقية رجاله رجال الصحيح .
أما البزار فقال : حفص - أظنه ابن عبد اللّه - ، عن هشام بن عروة .
وقال أبو يعلى : « عن فلان بن محمد بن خالد ، عن هشام » اه .