تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإتقان في علوم القرآن — صفحة 571

مساهمون:

ص٥٧١
الحسد ، وغلب عليهم اللؤم حتى جرى منهم مجرى الدم من الجسد .
وإذا أراد اللّه نشر فضيلة * طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت * ما كان يعرف طيب عرف العود
قوم غلب عليهم الجهل وطمّهم ، وأعماهم حبّ الرئاسة وأصمّهم ، قد نكبوا عن علم الشريعة ونسوه ، وأكبّوا على علم الفلاسفة وتدارسوه ؛ يريد الإنسان منهم أن يتقدّم ، ويأبى اللّه إلّا أن يزيده تأخيرا ، ويبغي العزّ ولا علم عنده فلا يجد له وليا ولا نصيرا .
أتمشي القوافي تحت غير لوائنا * ونحن على أقوالها أمراء
ومع ذلك فلا ترى إلّا أنوفا مشمّرة ، وقلوبا عن الحق مستكبرة ، وأقوالا تصدر عنهم مزورة ، كلّما هديتهم إلى الحق كان أصمّ وأعمى لهم ، كأنّ اللّه لم يوكّل بهم حافظين يضبطون أقوالهم وأعمالهم ، فالعالم بينهم مرجوم يتلاعب به الجهال والصبيان ، والكامل عندهم مذموم داخل في كفة النقصان . وأيم اللّه ، إنّ هذا لهو الزمان الذي يلزم فيه السكوت والمصير حلسا من أحلاس البيوت ، وردّ العلم إلى العمل ، لولا ما ورد في صحيح الأخبار : « من علم علما فكتمه ألجمه اللّه بلجام من نار » « 1 » . وللّه در القائل :
ادأب على جمع الفضائل جاهدا * وأدم لها تعجب القريحة والجسد
وأقصد بها وجه الإله ونفع من * بلغته ممن جدّ فيها واجتهد
واترك كلام الحاسدين وبغيهم * هملا فبعد الموت ينقطع الحسد
وأنا أضرع إلى اللّه جلّ جلاله ، وعزّ سلطانه ، كما منّ بإتمام هذا الكتاب أن يتمّ النعمة بقبوله ، وأن يجعلنا من السابقين الأولين من أتباع رسوله ، وألّا يخيّب أملنا فهو الجواد الذي لا يخيّب من أمّله ، ولا يخذل من انقطع عمّن سواه وأمّله . وصلّى اللّه على من لا نبي بعده ، سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم ، كلّما ذكره الذاكرون ، وغفل عن ذكره الغافلون .
هامش
( 1 ) رواه أبو داود في سننه ، حديث رقم ( 3658 ) 3 / 321 . والترمذي ، حديث رقم ( 2649 ) 5 / 29 . وابن ماجة في سننه ، حديث رقم ( 261 ) ، وأحمد في المسند 2 / 263 - 305 - 344 - 353 - 495 - 499 - 508 . والطيالسي في مسنده ، حديث رقم ( 2534 ) ص 330 . وابن حبان في صحيحه ، حديث رقم ( 95 ) 1 / 297 . والطبراني في المعجم الصغير 1 / 60 - 114 - 162 . والحاكم في المستدرك 1 / 101 . والبغوي في شرح السنة ، حديث رقم ( 140 ) 1 / 301 . وسنده صحيح .
الإتقان في علوم القرآن — صفحة 571 | جلال الدين السيوطي / فواز أحمد زمرلي