تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإتقان في علوم القرآن — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨
والباقي كله قسم بمخلوقاته ، كقوله تعالى :
وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ( 1 )
.
وَالصَّافَّاتِ
.
وَالشَّمْسِ
.
وَاللَّيْلِ
.
وَالضُّحى ( 1 )
.
فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ( 15 )
[ التكوير : 15 ] . فإن قيل : كيف أقسم بالخلق وقد ورد النهي عن القسم بغير اللّه ؟ قلنا : أجيب عنه بأوجه : أحدها : أنه على حذف مضاف ، أي : وربّ التين وربّ الشمس ؛ وكذا الباقي . الثاني : أنّ العرب كانت تعظّم هذه الأشياء ، وتقسم بها ، فنزل القرآن على ما يعرفون . الثالث : أنّ الأقسام إنما تكون بما يعظمه المقسم أو يجلّه وهو فوقه ، واللّه تعالى ليس شيء فوقه ، فأقسم تارة بنفسه وتارة بمصنوعاته ؛ لأنها تدلّ على بارئ وصانع . وقال ابن أبي الإصبع في « أسرار الفواتح » : القسم بالمصنوعات يستلزم القسم بالصانع ؛ لأن ذكر المفعول يستلزم ذكر الفاعل ؛ إذ يستحيل وجود مفعول بغير فاعل . وأخرج ابن أبي حاتم ، عن الحسن ، قال : إنّ اللّه يقسم بما شاء من خلقه ، وليس لأحد أن يقسم إلّا باللّه . وقال العلماء : أقسم اللّه تعالى بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم في قوله :
لَعَمْرُكَ
لتعرف الناس عظمته عند اللّه ومكانته لديه ، أخرج ابن مردويه عن ابن عباس ، قال : ما خلق اللّه ولا ذرأ ولا برأ نفسا أكرم عليه من محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وما سمعت اللّه أقسم بحياة أحد غيره ، قال :
لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 72 )
[ الحجر : 72 ] . وقال أبو القاسم القشيري : القسم بالشيء لا يخرج عن وجهين : إما لفضيلة أو لمنفعة . فالفضيلة ، كقوله :
وَطُورِ سِينِينَ ( 2 ) وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ ( 3 )
. والمنفعة ، نحو :
وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ( 1 )
[ التين : 1 - 3 ] . وقال غيره : أقسم اللّه تعالى بثلاثة أشياء ؛ بذاته كالآيات السابقة . وبفعله ، نحو :
وَالسَّماءِ وَما بَناها ( 5 ) وَالْأَرْضِ وَما طَحاها ( 6 ) وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها ( 7 )
[ الشمس : 5 - 7 ] ، وبمفعوله ، نحو :
وَالنَّجْمِ إِذا هَوى ( 1 )
[ النجم : 1 ] .
وَالطُّورِ ( 1 ) وَكِتابٍ مَسْطُورٍ ( 2 )
[ الطور : 1 ، 2 ] . والقسم : إمّا ظاهر كالآيات السابقة ، وإمّا مضمر ، وهو قسمان : قسم دلّت عليه اللام ، نحو :
لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ
[ آل عمران : 186 ] . وقسم دلّ عليه المعنى ، نحو :
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها
[ مريم : 71 ] . تقديره : ( واللّه ) .
الإتقان في علوم القرآن — صفحة 278 | جلال الدين السيوطي / فواز أحمد زمرلي