تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإتقان في علوم القرآن — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
وقال أبو عليّ الفارسيّ : الألفاظ الجارية مجرى القسم ضربان : أحدهما : ما تكون كغيرها من الأخبار التي ليست بقسم ، فلا تجاب بجوابه كقوله :
وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
[ الحديد : 8 ] .
وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا
[ البقرة : 63 ] .
يَحْلِفُونَ لَكُمْ
[ التوبة : 96 ] . وهذا ونحوه يجوز أن يكون قسما ، وأن يكون حالا ، لخلوّه من الجواب . والثاني : ما يتلقى بجواب القسم ، كقوله :
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ
[ آل عمران : 187 ] .
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ
[ النور : 53 ] . وقال غيره : أكثر الأقسام في القرآن المحذوفة الفعل لا تكون إلّا بالواو ، فإذا ذكرت الباء أتي بالفعل ، كقوله :
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ
[ النور : 53 ] .
يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ
[ التوبة : 62 ] . ولا تجد الباء مع حذف الفعل . ومن ثمّ كان خطأ من جعل قسما
بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ
[ لقمان : 13 ] .
بِما عَهِدَ عِنْدَكَ
[ الزخرف : 49 ] .
بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ
[ المائدة : 116 ] . وقال ابن القيّم « 1 » : اعلم أنّه سبحانه وتعالى يقسم بأمور على أمور ، وإنما يقسم بنفسه المقدّسة الموصوفة بصفاته ، أو بآياته المستلزمة لذاته وصفاته . وإقسامه ببعض المخلوقات دليل على أنّها من عظيم آياته ، فالقسم إما على جملة خبرية وهو الغالب ، كقوله :
فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ
[ الذاريات : 23 ] ، وإما على جملة طلبيّة كقوله :
فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 92 ) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ( 93 )
[ الحجر : 92 ، 93 ] ، مع أنّ هذا القسم قد يراد به تحقيق المقسم عليه ، فيكون من باب الخبر ، وقد يراد به تحقيق القسم ؛ فالمقسم عليه يراد بالقسم توكيده وتحقيقه ، فلا بدّ أن يكون ممّا يحسن فيه ، وذلك كالأمور الغائبة والخفية إذا أقسم على ثبوتها ؛ فأما الأمور المشهودة الظاهرة كالشمس والقمر ، والليل والنهار ، والسماء والأرض ، فهذه يقسم بها ولا يقسم عليها ، وما أقسم عليه الربّ فهو من آياته ، فيجوز أن يكون مقسما به ولا ينعكس ، وهو سبحانه وتعالى يذكر جواب القسم تارة وهو الغالب ، ويحذفه أخرى ؛ كما يحذف جواب لو كثيرا للعلم به . والقسم : لما كان يكثر في الكلام اختصر فصار فعل القسم يحذف ، ويكتفى بالباء ، ثم عوّض من الباء الواو في الأسماء الظاهرة ، والتاء في اسم اللّه تعالى ، كقوله :
وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ
[ الأنبياء : 57 ] .
هامش
( 1 ) التبيان ص 23 بتحقيقنا .
الإتقان في علوم القرآن — صفحة 279 | جلال الدين السيوطي / فواز أحمد زمرلي