بعد أوامر ، فناسب النهي عن تعدّيها وتجاوزها بأن يوقف عندها « 1 » .
قوله تعالى :
نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ
[ آل عمران : 3 ] ، وقال :
وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ
[ آل عمران : 3 ] ؛ لأنّ الكتاب أنزل منجّما ، فناسب الإتيان ب
نَزَّلَ
الدالّ على التكرير ، بخلافهما فإنّهما أنزلا دفعة « 2 » .
قوله تعالى :
وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ
[ الأنعام : 151 ] ، وفي الإسراء :
خَشْيَةَ إِمْلاقٍ
[ الإسراء : 31 ] ؛ لأنّ الأولى خطاب للفقراء المقلّين ، أي : لا تقتلوهم من فقر بكم ، فحسن :
نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ
ما يزول به إملاقكم . ثم قال :
وَإِيَّاهُمْ
أي :
نرزقكم جميعا . والثانية خطاب للأغنياء ؛ أي : خشية فقر يحصل لكم بسببهم ، ولذا حسن :
نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ
[ الإسراء : 31 ] « 3 » .
قوله تعالى :
فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
[ الأعراف : 200 ] ، وفي فصلت :
فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
[ فصلت : 36 ] قال ابن جماعة : لأنّ آية الأعراف أوّلا ، وآية فصّلت نزلت ثانيا ، فحسن التعريف ، أي : هو السّميع العليم الّذي تقدّم ذكره أوّلا عند نزوغ الشيطان « 4 » .
قوله تعالى :
الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ
[ 9 : 67 ] ، وقال في المؤمنين :
هامش
( 1 ) انظر ملاك التأويل 1 / 258 - 260 ، وبصائر ذوي التمييز 1 / 152 - 153 ، ودرة التنزيل ص 45 - 46 ، وفتح الرحمن ص 54 .
( 2 ) انظر أنموذج جليل للرازي ص 54 ، وفتح الرحمن ص 77 ، وملاك التأويل 1 / 286 - 290 .
( 3 ) انظر بصائر ذوي التمييز 1 / 199 ، وملاك التأويل 1 / 478 - 480 ، ودرة التنزيل ص 135 - 136 ، وفتح الرحمن ص 180 - 181 .
( 4 ) انظر ملاك التأويل 1 / 578 - 580 ، ودرة التنزيل ص 182 - 183 ، وفتح الرحمن ص 506 ، وتفسير سورة الكافرون ص 100 - 101 لابن القيم رحمه اللّه .
قال العلامة ابن قيم الجوزية في تفسيره لسورة « الكافرون » ص 100 - 101 : « وتأمل سرّ القرآن كيف أكّد الوصف بالسميع العليم بذكر صيغة ( هو ) الدال على تأكيد النسبة واختصاصها ، وعرّف الوصف بالألف واللام في سورةحملاقتضاء المقام لهذا التأكيد ، وتركه في سورة الأعراف ، لاستغناء المقام عنه :
فإنّ الأمر بالاستعاذة في سورة حم وقع بعد الأمر بأشق الأشياء على النفس ، وهو مقابلة إساءة المسئ بالإحسان إليه ، وهذا أمر لا يقدر عليه إلا الصابرون ، ولا يلقاه إلا ذو حظ عظيم ، كما قال اللّه تعالى .
والشيطان لا يدع العبد يفعل هذا ، بل يريه أنّ هذا ذلّ وعجز ، ويسلّط عليه عدوّه ، فيدعوه إلى الانتقام ، ويزينه له ، فإن عجز عنه دعاه إلى الإعراض عنه ، وأن لا يسيء إليه ولا يحسن ، فلا يؤثر الإحسان إلى المسئ إلا من خالفه وآثر اللّه وما عنده على حظه العاجل ، فكان المقام مقام تأكيد وتحريض ، فقال