الثاني : القاعدة أن المنكر يجب أن يلي الهمزة ، وأشكل عليها قوله تعالى :
أَ فَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ
[ الإسراء : 40 ] فإنّ الذي يليها هنا الإصفاء بالبنين وليس هو المنكر ، إنما المنكر قولهم : إنّه اتّخذ من الملائكة إناثا .
وأجيب : بأنّ لفظ الإصفاء مشعر بزعم أنّ البنات لغيرهم ، أو بأنّ المراد مجموع الجملتين . وينحلّ منهما كلام واحد ، والتقدير : أجمع بين الإصفاء بالبنين واتخاذ البنات ؟ .
وأشكل منه قوله :
أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ
[ البقرة : 44 ] ووجه الإشكال :
أنّه لا جائز أن يكون المنكر أمر الناس بالبرّ فقط ، كما تقتضيه القاعدة المذكورة ، لأن أمر البرّ ليس ممّا ينكر . ولا نسيان النفس فقط ؛ لأنه يصير ذكر أمر لناس بالبرّ لا مدخل له .
ولا مجموع الأمرين ؛ لأنه يلزم أن تكون العبادة جزء المنكر . ولا نسيان النفس بشرط الأمر ؛ لأنّ النسيان منكر مطلقا ، ولا يكون نسيان النفس حال الأمر أشد منه حال عدم الأمر ؛ لأنّ المعصية لا تزداد بشاعتها بانضمامها إلى الطاعة ؛ لأنّ جمهور العلماء على أنّ الأمر بالبرّ واجب ، وإن كان الإنسان ناسيا لنفسه . وأمره لغيره بالبر كيف يضاعف بمعصية نسيان ولا يأتي الخير بالشر ؟ .
قال في « عروس الأفراح » : ويجاب بأنّ فعل المعصية مع النّهي عنها أفحش ؛ لأنها تجعل حال الإنسان كالمتناقض ، وتجعل القول كالمخالف للفعل ، ولذلك كانت المعصية مع العلم أفحش منها مع الجهل . قال : ولكنّ الجواب على أنّ الطاعة الصرفة : كيف تضاعف المعصية المقارنة لها من جنسها ؟ فيه دقّة .
فصل [ الأمر ]
من أقسام الإنشاء الأمر :
وهو : طلب فعل غير كفّ . وصيغته : ( افعل ) و ( ليفعل ) .
وهي حقيقة في الإيجاب ، نحو :
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ
[ البقرة : 43 ] ،
فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ
[ النساء : 102 ] .
وترد مجازا لمعان أخر ، منها :
الندب : نحو :
وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا
[ الأعراف : 204 ] .
والإباحة : نحو :
فَكاتِبُوهُمْ
[ النور : 33 ] نصّ الشافعي على أنّ الأمر فيه