تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
وأهل العلم والسعادة يعلمون أنه الحق الذي لا شك فيه . قوله تعالى
وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ
[ 112 ] الآية . ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه جعل لكل نبيّ عدوا ، وبين هنا أن أعداء الأنبياء هم شياطين الإنس والجن ، وصرح في موضع آخر أن أعداء الأنبياء من المجرمين ، وهو قوله
وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ
[ الفرقان : 31 ] فدل ذلك على أن المراد بالمجرمين شياطين الإنس والجن وذكر في هذه الآية أن من الإنس شياطين ، وصرح بذلك في قوله
وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ
[ البقرة : 14 ] الآية . وقد جاء الخبر بذلك مرفوعا من حديث أبي ذر عند الإمام أحمد وغيره والعرب تسمي كل متمرد شيطانا سواء كان من الجن أو من الإنس كما ذكرنا أو من غيرهما ، وفي الحديث « الكلب الأسود شيطان » « 1 » : وقوله ، شياطين بدل من قوله :
عَدُوًّا
، أو مفعول أول
جَعَلْنا
، والثاني
عَدُوًّا
أي جعلنا شياطين الإنس والجن عدوا . قوله تعالى :
وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
[ 116 ] . ذكر في هذه الآية الكريمة أن إطاعة أكثر أهل الأرض ضلال ، وبين في مواضع أخر أن أكثر أهل الأرض غير مؤمنين ، وأن ذلك واقع في الأمم الماضية كقوله
وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ
( 1 ) [ الرعد : 1 ] ، وقوله
وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ
( 103 ) [ يوسف : 103 ] ، وقوله
وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ
( 71 ) [ الصافات : 71 ] ، وقوله
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ
( 8 ) [ الشعراء : 8 ] إلى غير من الآيات . قوله تعالى :
وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ
[ 119 ] الآية . التحقيق أنه فصله لهم بقوله :
قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً
[ الأنعام : 145 ] الآية ، ومعنى الآية : أي شيء يمنعكم أن تأكلوا ما ذكيتم ، وذكرتم عليه اسم اللّه ، والحال أن اللّه فصل لكم المحرم أكله عليكم في قوله
قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ
الآية ، وليس هذا منه . وما يزعمه كثير من المفسرين من أنه فصله لهم بقوله :
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ
[ المائدة : 3 ] الآية . فهو غلط ؛ لأن قوله تعالى :
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ
من سورة المائدة ، وهي من آخر ما نزل من القرآن بالمدينة ، وقوله :
وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ
هامش
( 1 ) أخرجه عن أبي ذر الغفاري : مسلم في الصلاة حديث 265 ، وأبو داود في الصلاة حديث 702 ، والترمذي في أبواب الصلاة حديث 338 ، والنسائي في القبلة ، باب ما ذكر ما يقطع الصلاة وما لا يقطع ، وابن ماجة في إقامة الصلاة والسنة حديث 952 ، وأحمد في المسند 1 / 149 ، 151 ، 156 ، 158 ، 160 .
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 158 | الشنقيطي