تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
أمارة يعرف بها ؟ قال : « الإنابة إلى دار الخلود ، والتجافي عن دار الغرور ، والاستعداد للموت قبل لقاء الموت » « 1 » ويدل لهذا قوله تعالى :
أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ
[ الزمر : 22 ] . قوله تعالى :
يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ
[ 130 ] الآية . قال بعض العلماء : المراد بالرسل من الجن نذرهم الذين يسمعون كلام الرسل ، فيبلغونه إلى قومهم ، ويشهد لهذا أن اللّه ذكر أنهم منذرون لقومهم في قوله :
وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ
( 29 ) [ الأحقاف : 29 ] . وقال بعض العلماء :
رُسُلٌ مِنْكُمْ
أي من مجموعكم الصادق بخصوص الإنس : لأنه لا رسل من الجن ، ويستأنس لهذا القول بأن القرآن ربما أطلق فيه المجموع مرادا بعضه ، كقوله :
وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً
[ نوح : 16 ] ، وقوله :
فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها
[ الشمس : 14 ] ، مع أن العاقر واحد منهم ، كما بينه بقوله :
فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ
( 29 ) [ القمر : 29 ] . واعلم أن ما ذكره الحافظ ابن كثير رحمه اللّه وغيره من أجلاء العلماء في تفسير هذه الآية : من أن قوله :
يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ
( 22 ) [ الرحمن : 22 ] يراد به البحر الملح خاصة دون العذب غلط كبير ، لا يجوز القول به . لأنه مخالف مخالفة صريحة لكلام اللّه تعالى ، لأن اللّه ذكر البحرين الملح والعذب ، بقوله :
وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ
[ فاطر : 12 ] ، ثمّ صرح باستخراج اللؤلؤ والمرجان منها جميعا بقوله :
وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها
[ فاطر : 12 ] والحلية المذكورة هي اللؤلؤ والمرجان ، فقصره على الملح مناقض للآية صريحا ، كما ترى . قوله تعالى :
ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ ( 131 )
[ 131 ] . النفي في هذه الآية الكريمة منصب على الجملة الحالية ، والمعنى أنه لا يهلك قوما في حال غفلتهم ، أي عدم إنذارهم ، بل لا يهلك أحدا إلا بعد الإعذار والإنذار على ألسنة الرسل عليهم صلوات اللّه وسلامه ، كما بين هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله :
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
( 15 ) [ الإسراء : 15 ] ، وقوله
رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ
[ النساء : 165 ] ، وقوله
وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ
( 24 ) [ فاطر : 24 ] ، وقوله
وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ
[ النحل : 36 ] إلى غير ذلك من الآيات .
هامش
( 1 ) أخرجه عن ابن مسعود ابن جرير الطبري في جامع البيان 8 / 21 .
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 160 | الشنقيطي