تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
[ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 30 إلى 31 ] إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ( 30 ) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ( 31 )
شرح
لمثل من الأمثال القرآنية بعد بيان أن الحكمة في ضربها هو التذكر والاتعاظ بها وتحصيل التقوى والمراد بضرب المثل هاهنا تطبيق حالة عجيبة بأخرى مثلها وجعلها مثلها كما مر في سورة يس ومثلا مفعول ثان لضرب ورجلا مفعوله له الأول أخر عن الثاني للتشويق إليه وليتصل به ما هو من تتمته التي هي العمدة في التمثيل وفيه ليس بصلة لشركاء كما قيل بل هو خبر له وبيان أنه في الأصل كذلك مما لا حاجة إليه والجملة في حيز النصب على أنه وصف لرجلا أو الوصف هو الجار والمجرور وشركاء مرتفع به على الفاعلية لاعتماده على الموصوف فالمعنى جعل اللّه تعالى مثلا للمشرك حسبما يقود إليه مذهبه من ادعاء كل معبوديه عبوديته عبدا يتشارك فيه جماعة يتجاذبونه ويتعاورونه في مهماتهم المتباينة في تحيره وتوزع قلبه( وَرَجُلًا )أي وجعل للموحد مثلا رجلا( سَلَماً )أي خالصا( لِرَجُلٍ )فرد ليس لغيره عليه سبيل أصلا وقرئ سلما بفتح السين وكسرها مع سكون اللام والكل مصادر من سلم له كذا أي خلص نعت بها مبالغة أو حذف منها ذو وقرئ سالما وسالم أي وهناك رجل سالم وتخصيص الرجل لأنه أفطن لما يجرى عليه من الضر والنفع( هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا )إنكار واستبعاد لاستوائهما ونفى له على أبلغ وجه وآكده وإيذان بأن ذلك من الجلاء والظهور بحيث لا يقدر أحد أن يتفوه باستوائهما أو يتلعثم في الحكم بتباينهما ضرورة أن أحدهما في أعلى عليين والآخر في أسفل سافلين وهو السر في إبهام الفاضل والمفضول وانتصاب مثلا على التمييز أي هل يستوى حالاهما وصفتاهما والاقتصار في التمييز على الواحد لبيان الجنس وقرئ مثلين كقوله تعالىأَكْثَرَ أَمْوالًا وَأَوْلاداً *للإشعار باختلاف النوع أو لأن المراد هل يستويان في الوصفين على أن الضمير للمثلين لأن التقدير مثل رجل فيه الخ ومثل رجل الخ وقوله تعالى( الْحَمْدُ لِلَّهِ )تقرير لما قبله من نفى الاستواء بطريق الاعتراض وتنبيه للموحدين على أن ما لهم من المزية بتوفيق اللّه تعالى وأنها نعمة جليلة موجبة عليهم أن يداموا على حمده وعبادته أو على أن بيانه تعالى بضرب المثل أن لهم المثل الأعلى وللمشركين مثل السوء صنع جميل ولطف تام منه عزّ وجل مستوجب لحمده وعبادته وقوله تعالى( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ )إضراب وانتقال من بيان عدم الاستواء على الوجه المذكور إلى بيان أن أكثر الناس وهم المشركون لا يعلمون ذلك مع كمال ظهوره فيبقون في ورطة الشرك والضلال وقوله تعالى( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ )تمهيد لما يعقبه من الاختصام يوم القيامة وقرئ مائت ومائتون 30 وقيل كانوا يتربصون برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم موته أي إنكم جميعا بصدد الموت( ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ )31 أي مالك أموركم( تَخْتَصِمُونَ )فتحتج أنت عليهم بأنك بلغتهم ما أرسلت به من الأحكام والمواعظ التي من جملتها ما في تضاعيف هذه الآيات واجتهدت في الدعوة إلى الحق حق الاجتهاد وهم قد لجوا في المكابرة والعناد وقيل المراد به الاختصام العام الجاري في الدنيا بين الأنام والأول هو الأظهر الأنسب بقوله