تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
[ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 36 إلى 37 ] أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ ( 36 ) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَ لَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ ( 37 )
شرح
وعدهم اللّه جميع ما يشاءونه من زوال المضار وحصول المسار ليكفر عنهم بموجب ذلك الوعد أسوأ الذي عملوا دفعا لمضارهم( وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ )إعطاء لمنافعهم وإظهار الاسم الجليل * في موقع الإضمار لإبراز كمال الاعتناء بمضمون الكلام وإضافة الأسوأ والأحسن إلى ما بعدهما ليست من قبيل إضافة المفضل إلى المفضل عليه بل من إضافة الشئ إلى بعضه للقصد إلى التحقيق والتوضيح من غير اعتبار تفضيله عليه وإنما المعتبر فيهما مطلق الفضل والزيادة لا على المضاف إليه المعين بخصوصه كما في قولهم الناقص والأشج أعدلا بنى مروان خلا أن الزيادة المعتبرة فيهما ليست بطريق الحقيقة بل هي في الأول بالنظر إلى ما يليق بحالهم من استعظام سيئاتهم وإن قلت واستصغار حسناتهم وإن جلت والثاني بالنظر إلى لطف أكرم الأكرمين من استكثار الحسنة اليسيرة ومقابلتها بالمثوبات الكثيرة وحمل الزيادة على الحقيقة وإن أمكن في الأول بناء على أن تخصيص الأسوأ بالذكر لبيان تكفير ما دونه بطريق الأولوية ضرورة استلزام تكفير الأسوأ لتكفير السيئ لكن لما لم يكن ذلك في الأحسن كان الأحسن نظمهما في سلك واحد من الاعتبار والجمع بين صيغتى الماضي والمستقبل في صلة الموصول الثاني دون الأول للإيذان باستمرارهم على الأعمال الصالحة بخلاف السيئة( أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ )إنكار ونفى لعدم كفايته 36 تعالى على أبلغ وجه وآكده كأن الكفاية من التحقق والظهور بحيث لا يقدر أحد على أن يتفوه بعدمها أو يتلعثم في الجواب بوجودها والمراد بالعبد إما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أو الجنس المنتظم له عليه السلام انتظاما أوليا ويؤيده قراءة من قرأ عباده وفسر بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام وكذا قراءة من قرأ بكافى عباده على الإضافة ويكافئ عباده صيغة المغالبة إما من الكفاية لإفادة المبالغة فيها وإما من المكافأة بمعنى المجازاة وهذه تسلية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عما قالت له قريش إنا نخاف أن تخبلك آلهتنا ويصيبك مضرتها لعيبك إياها وفي رواية قالوا لتكفن عن شتم آلهتنا أو ليصيبنك منهم خبل أو جنون كما قال قوم هود إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء وذلك قوله تعالى( وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ )أي الأوثان التي اتخذوها آلهة * من دونه تعالى والجملة استئناف وقيل حال( وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ )حتى غفل عن كفايته تعالى وعصمته له صلّى اللّه عليه وسلم وخوفه بما لا ينفع ولا يضر أصلا( فَما لَهُ مِنْ هادٍ )يهديه إلى خير ما( وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ )37 يصرفه عن مقصده أو يصيبه بسوء يخل بسلوكه إذ لا راد لفعله ولا معارض لإرادته كما ينطق به قوله تعالى( أَ لَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ )غالب لا يغالب منيع لا يمانع ولا ينازع( ذِي انْتِقامٍ )ينتقم من أعدائه * لأوليائه وإظهار الاسم الجليل في موقع الإضمار لتحقيق مضمون الكلام وتربية المهابة .