تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 251

مساهمون:

ص٢٥١
[ سورة الزمر ( 39 ) : آية 23 ] اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ ( 23 )
شرح
ياسر رضى اللّه عنه وأبى جهل وذويه( اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ )هو القرآن الكريم روى أن أصحاب 23 رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ملوا ملة فقالوا له صلّى اللّه عليه وسلم حدثنا حديثا وعن ابن مسعود وابن عباس رضى اللّه عنهم قالوا لو حدثتنا فنزلت والمعنى أن فيه مندوحة عن سائر الأحاديث وفي إيقاع الاسم الجليل مبتدأ وبناء نزل عليه من تفخيم أحسن الحديث ورفع محله والاستشهاد على حسنه وتأكيد استناده إليه تعالى وأنه من عنده لا يمكن صدوره عن غيره والتنبيه على أنه وحى معجز ما لا يخفى( كِتاباً )بدل من أحسن الحديث * أو حال منه سواء اكتسب من المضاف إليه تعريفا أو لا فإن مساغ مجىء الحال من النكرة المضافة اتفاقي ووقوعه حالا مع كونه اسما لا صفة إما لاتصافه بقوله تعالى( مُتَشابِهاً )أو لكونه في قوة مكتوبا ومعنى * كونه متشابها تشابه معانيه في الصحة والإحكام والابتناء على الحق والصدق واستتباع منافع الخلق في المعاد والمعاش وتناسب ألفاظه في الفصاحة وتجاوب نظمه في الإعجاز( مَثانِيَ )صفة أخرى لكتابا أو * حال أخرى منه وهو جمع مثنى بمعنى مردد ومكرر لما ثنى من قصصه وأنبائه وأحكامه وأوامره ونواهيه ووعده ووعيده ومواعظه وقيل لأنه يثنى في التلاوة وقيل هو جمع مثنى مفعل من التثنية بمعنى التكرير والإعادة كما في قوله تعالىثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِأي كرة بعد كرة ووقوعه صفة لكتابا باعتبار تفاصيله كما يقال القرآن سور وآيات ويجوز أن ينتصب على التمييز من متشابها كما يقال رأيت رجلا حسنا شمائل أي شمائله والمعنى متشابهة مثانيه( تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ )قيل صفة لكتابا أو حال منه لتخصصه * بالصفة والأظهر أنه استئناف مسوق لبيان آثاره الظاهرة في سامعيه بعد بيان أوصافه في نفسه ولتقرير كونه أحسن الحديث والاقشعرار التقبض يقال اقشعر الجلد إذا تقبض تقبضا شديدا وتركيبه من القشع وهو الأديم اليابس قد ضم إليه الراء ليكون رباعيا ودالا على معنى زائد يقال اقشعر جلده وقف شعره إذا عرض له خوف شديد من منكر هائل دهمه بغتة والمراد إما بيان إفراط خشيتهم بطريق التمثيل والتصوير أو بيان حصول تلك الحالة وعروضها لهم بطريق التحقيق والمعنى أنهم إذا سمعوا القرآن وقوارع آيات وعيده أصابتهم هيبة وخشية تقشعر منها جلودهم وإذا ذكروا رحمة اللّه تعالى تبدلت خشيتهم رجاء ورهبتهم رغبة وذلك قوله تعالى( ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ )أي ساكنة مطمئنة إلى * ذكر رحمته تعالى وإنما لم يصرح بها إيذانا بأنها أول ما يخطر بالبال عند ذكره تعالى( ذلِكَ )أي الكتاب الذي شرح أحواله( هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ )أن يهديه بصرف مقدوره إلى الاهتداء بتأمله فيما في تضاعيفه من شواهد الحقية ودلائل كونه من عند اللّه تعالى( وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ )أي يخلق فيه الضلالة * بصرف قدرته إلى مباديها وإعراضه عما يرشده إلى الحق بالكلية وعدم تأثره بوعيده ووعده أصلا أو
تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 251 | أبي السعود محمد بن محمد العمادي