[ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 150 إلى 153 ]
أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ ( 150 ) أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ( 151 ) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 152 ) أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ ( 153 )
شرح
وأنه تعالى أرسل إليهم منذرين على وجه الإجمال ثم أورد قصص كل واحد منهم على وجه التفصيل مبينا في كل قصة منها أنهم من عباده تعالى واصفا لهم تارة بالإخلاص وأخرى بالإيمان ثم أمره صلّى اللّه عليه وسلم هاهنا بتبكيتهم بطريق الاستفتاء عن وجه أمر منكر خارج عن العقول بالكلية وهي القسمة الباطلة اللازمة لما كانوا عليه من الاعتقاد الزائغ حيث كانوا يقولون كبعض أجناس العرب جهينة وبنى سلمة وخزاعة وبنى مليح الملائكة بنات اللّه والفاء لترتيب الأمر على ما سبق من كون أولئك الرسل الذين هم أعلام الخلق عليهم الصلاة والسلام عباده تعالى فإن ذلك مما يؤكد التبكيت ويظهر بطلان مذهبهم الفاسد ثم تبكيتهم بما يتضمنه كفرهم المذكور من الاستهانة بالملائكة بجعلهم إناثا ثم أبطل أصل كفرهم المنطوى على هذين الكافرين وهو نسبة الولد إليه سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا ولم ينظمه في سلك التبكيت لمشاركتهم النصارى في ذلك أي فاستخبرهم( أَ لِرَبِّكَ الْبَناتُ )اللاتي هن أوضع الجنسين( وَلَهُمُ الْبَنُونَ )الذين هم أرفعهما فإن ذلك مما لا يقول به من له أدنى شئ من العقل وقوله تعالى( أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً )150 إضراب وانتقال من التبكيت بالاستفتاء السابق إلى التبكيت بهذا كما أشير إليه أي بل أخلقنا الملائكة الذين هم من أشرف الخلائق وأبعدهم من صفات الأجسام ورذائل الطبائع إناثا والأنوثة من أخس صفات الحيوان وقوله تعالى( وَهُمْ شاهِدُونَ )استهزاء بهم وتجهيل لهم كقوله تعالىأَ شَهِدُوا خَلْقَهُمْوقوله تعالىما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْفإن أمثال هذه الأمور لا تعلم إلا بالمشاهدة إذ لا سبيل إلى معرفتها بطريق العقل وانتفاء النقل مما لا ريب فيه فلا بد أن يكون القائل بأنوثتهم شاهدا عند خلقهم والجملة إما حال من فاعل خلقنا أي بل أخلقناهم إناثا والحال أنهم حاضرون حينئذ أو عطف على خلقنا أي بل أهم شاهدون وقوله تعالى( أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ )استئناف 151 ، 152 من جهته غير داخل تحت الأمر بالاستفتاء مسوق لإبطال أصل مذهبهم الفاسد ببيان أن مبناه ليس إلا الإفك الصريح والافتراء القبيح من غير أن يكون لهم دليل أو شبهة قطعا( وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ )في قولهم ذلك كذبا بينا لا ريب فيه وقرئ ولد اللّه على أنه خبر مبتدأ محذوف أي الملائكة ولده تعالى عن ذلك علوا كبيرا فإن الولد فعل بمعنى مفعول يستوى فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث( أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ )إثبات لإفكهم وتقرير لكذبهم فيما قالوا ببيان استلزامه لأمر بين الاستحالة هو اصطفاؤه تعالى البنات على البنين والاصطفاء أخذ صفوة الشئ لنفسه وقرئ بكسر الهمزة على حذف حرف الاستفهام