تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
[ سورة الصافات ( 37 ) : آية 103 ] فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ( 103 )
شرح
به لاستحالة التخلف والتأخر بعد البشارة كما مر في قوله تعالىفَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُوفي قوله تعالىفَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُأي فوهبناه له فنشأ فلما بلغ رتبة أن يسعى معه في أشغاله وحوائجه ومعه متعلق بمحذوف ينبئ عنه السعي لا بنفسه لأن صلة المصدر لا تتقدمه ولا يبلغ لأن بلوغهما لم يكن معا كأنه لما ذكر السعي قيل مع من فقيل معه وتخصيصه لأن الأب أكمل في الرفق والاستصلاح فلا يستسعيه قبل * أوانه أو لأنه استوهبه لذلك وكان له يومئذ ثلاث عشرة سنة( قالَ )أي إبراهيم عليه السلام( يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ )أي أرى هذه الصورة بعينها أو ما هذه عبارته وتأويله وقيل إنه رأى ليلة التروية كأن قائلا يقول له إن اللّه يأمرك بذبح ابنك هذا فلما أصبح روى في ذلك من الصباح إلى الرواح أمن اللّه هذا الحلم أم من الشيطان فمن ثمة سمى يوم التروية فلما أمسى رأى مثل ذلك فعرف أنه من اللّه تعالى فمن ثمة سمى يوم عرفة ثم رأى مثله في الليلة الثالثة فهم بنحره فسمى اليوم يوم النحر وقيل إن الملائكة حين بشرته بغلام حليم قال إذن هو ذبيح اللّه فلما ولد وبلغ حد السعي معه قيل له أوف بنذرك . والأظهر الأشهر أن المخاطب إسماعيل عليه السلام إذ هو الذي وهب إثر المهاجرة ولأن البشارة بإسحاق بعده معطوف على البشارة بهذا الغلام ولقوله صلّى اللّه عليه وسلم أنا ابن الذبيحين فأحدهما جده إسماعيل عليه السلام والآخر أبوه عبد اللّه فإن عبد المطلب نذر أن يذبح ولدا إن سهل اللّه تعالى له حفر بئر زمزم أو بلغ بنوه عشرة فلما حصل ذلك وخرج السهم على عبد اللّه فداه بمائة من الإبل ولذلك سنت الدية مائة ولأن ذلك كان بمكة وكان قرنا الكبش معلقين بالكعبة حتى احترقا في أيام ابن الزبير ولم يكن إسحاق ثمة ولأن بشارة إسحاق كانت مقرونة بولادة يعقوب منه فلا يناسبه الأمر بذبحه مراهقا وما روى أنه عليه الصلاة والسلام سئل عن النسب أشرف فقال يوسف صديق اللّه ابن يعقوب إسرائيل اللّه ابن إسحاق ذبيح اللّه ابن إبراهيم خليل اللّه فالصحيح أنه عليه الصلاة والسلام قال يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الزوائد من الراوي وما * روى من أن يعقوب كتب إلى يوسف مثل ذلك لم يثبت وقرئ إني بفتح الياء فيهما( فَانْظُرْ ما ذا تَرى )من الرأي وإنما شاوره فيه وهو أمر محتوم ليعلم ما عنده فيما نزل من بلاء اللّه تعالى فيثبت قدمه إن جزع ويأمن عليه إن سلم وليوطن نفسه عليه فيهون ويكتسب المثوبة عليه بالانقياد له قبل نزوله وقرئ ما ذا * ترى بضم التاء وكسر الراء وبفتحها مبنيا للمفعول( قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ )أي تؤمر به فحذف الجار أولا على القاعدة المطردة ثم حذف العائد إلى الموصول بعد انقلابه منصوبا بإيصاله إلى الفعل أو حذفا دفعة أو افعل أمرك على إضافة المصدر إلى المفعول وتسمية المأمور به أمرا وقرئ ما تؤمر به وصيغة المضارع للدلالة على أن الأمر متعلق به متوجه إليه مستمر إلى حين الامتثال به( سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ )على الذبح أو على قضاء اللّه تعالى( فَلَمَّا أَسْلَما )أي استسلما لأمر اللّه تعالى وانقادا وخضعا له يقال سلم لأمر اللّه وأسلم واستسلم بمعنى واحد وقد قرئ بهن جميعا وأصلها من قولك سلم هذا لفلان إذا خلص له ومعناه سلم من أن ينازع فيه وقولهم سلم لأمر اللّه وأسلم له منقولان منه ومعناهما أخلص نفسه للّه