تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
تقديره أشد . فعلى أم من هو تقرير واحد ونظيره :
أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ
« 1 » . قال الزمخشري : وأشد خلقا يحتمل أقوى خلقا ، من قولهم : شديد الخلق ، وفي خلقه شدة ، وأصعب خلقا . وأشد خلقا وأشقه يحتمل أقوى خلقا من قولهم : شديد الخلق ، وفي خلقه شدة ، على معنى الرد ، لإنكارهم البعث والنشأة الأخرى . وإن من هان عليه خلق هذه الخلائق العظيمة ، ولم يصعب عليه اختراعها ، كان خلق الشر عليه أهون . وخلقهم من طين لازب ، إما شهادة عليهم بالضعف والرخاوة ، لأن ما يصنع من الطين غير موصوف بالصلابة والقوة ؛ أو احتجاج عليهم بأن الطين اللازب الذي خلقوا منه تراب . فمن أين استنكروا أن يخلقوا من تراب مثله ؟ قالوا :
أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً
، وهذا المعنى يعضده ما يتلوه من ذكر إنكارهم البعث . انتهى . والذي يظهر الاحتمال الأول . وقيل :
أَمْ مَنْ خَلَقْنا
من الأمم الماضية ، كقوله :
وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً
« 2 » ، وقوله : و
كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً
« 3 » ، وأضاف : الخلق من الطين إليهم ، والمخلوق منه هو أبوهم آدم ، إذ كانوا نسله . وقال الطبري : خلق ابن آدم من تراب وماء ونار وهواء ، وهذا كله إذا خلط صار طينا لازبا يلزم ما جاوره . وعن ابن عباس : اللازب بالجر ، أي الكريم الجيد . وقرأ الجمهور :
بَلْ عَجِبْتَ
، بتاء الخطاب ، أي من قدرة اللّه على هذه الخلائق العظيمة ، وهم يسخرون منك ومن تعجبك ، ومما تريهم من آثار قدرة اللّه ، أو عجبت من إنكارهم البعث ، وهم يسخرون من أمر البعث . أو عجبت من إعراضهم عن الحق وعماهم عن الهدى ، وأن يكونوا كافرين مع ما جئتهم به من عند اللّه . وقرأ حمزة ، والكسائي ، وابن سعدان ، وابن مقسم : بياء المتكلم . ورويت عن عليّ ، وعبد اللّه ، وابن عباس ، والنخعي ، وابن وثاب ، وطلحة ، وشقيق ، والأعمش . وأنكر شريح القاضي هذه القراءة . وقال : اللّه لا يعجب ، فقال إبراهيم : كان شريح معجبا بعلمه ، وعبد اللّه أعلم منه ، يعني عبد اللّه بن مسعود . والظاهر أن ضمير المتكلم هو للّه تعالى ، والعجب لا يجوز على اللّه تعالى ، لأنه روعة تعتري المتعجب من الشيء . وقد جاء في الحديث إسناد العجب إلى اللّه تعالى ، وتؤول على أنه صفة فعل يظهرها اللّه تعالى في صفة المتعجب منه من تعظيم أو تحقير حتى يصير الناس متعجبين منه . فالمعنى : بل عجبت من ضلالتهم وسوء عملهم ، وجعلتها للناظرين فيها وفيما اقترن فيها من شرعي وهداي متعجبا . وقال الزمخشري : أي بلغ من
هامش
( 1 ) سورة النازعات : 79 / 27 . ( 2 ) سورة ق : 50 / 36 . ( 3 ) سورة فاطر : 35 / 44 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 94 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل