تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
التركيب ، فكيف بجمل كثيرة وقصص متباينة ؟ فالقول بالعطف لا يجوز ، والاستفتاء هنا سؤال على جهة التوبيخ والتقريع على قولهم البهتان على اللّه ، حيث جعلوا للّه الإناث في قولهم : الملائكة بنات اللّه ، مع كراهتهم لهن ، ووأدهم إياهن ، واستنكافهم من ذكرهن . وارتكبوا ثلاثة أنواع من الكفر : التجسيم ، لأن الولادة مختصة بالأجسام ؛ وتفضيل أنفسهم ، حيث نسبوا أرفع الجنسين لهم وغيره للّه تعالى ؛ واستهانتهم بمن هو مكرم عند اللّه ، حيث أنثوهم ، وهم الملائكة . بدأ أولا بتوبيخهم على تفضيل أنفسهم بقوله :
أَ لِرَبِّكَ الْبَناتُ
، وعدل عن قوله : ألربكم ، لما في ترك الإضافة إليهم من تحسينهم وشرف نبيه بالإضافة إليه . وثنى بأن نسبة الأنوثة إلى الملائكة يقتضي المشاهدة ، فأنكر عليهم بقوله :
أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ
: أي خلقناهم وهم لا يشهدون شيئا من حالهم ، كما قال في الأخرى :
أَ شَهِدُوا خَلْقَهُمْ
« 1 » وكما قال
ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ
« 2 » . ثم أخبر عنهم ثالثا بأعظم الكفر ، وهو ادعاؤهم أنه تعالى قد ولد ، فبلغ إفكهم إلى نسبة الولد . ولما كان هذا فاحشا قال :
وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ
. واحتمل أن تخص هذه الجملة بقولهم ولد اللّه ، ويكون تأكيدا لقوله :
مِنْ إِفْكِهِمْ
، واحتمل أن يعم هذا القول . فإن قلت : لم قال :
وَهُمْ شاهِدُونَ
، فخص علمهم بالمشاهدة ؟ قلت : ما هو إلا استهزاء وتجهيل كقوله :
أَ شَهِدُوا خَلْقَهُمْ
« 3 » ، وذلك أنهم كما لم يعلموا ذلك بطريق المشاهدة ، لم يعلموه بخلق اللّه علمه في قلوبهم ولا بإخبار صادق ، لا بطريق استدلال ولا نظر . ويجوز أن يكون المعنى أنهم يقولون ذلك ، كالقائل قولا عن ثلج صدر وطمأنينة نفس لإفراط جهلهم ، كأنهم قد شاهدوا خلقه . وقرأ :
وَلَدَ اللَّهُ
: أي الملائكة ولده ، والولد فعل بمعنى مفعول يقع على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث . تقول : هذه ولدي ، وهؤلاء ولدي . انتهى . وقرأ الجمهور :
أَصْطَفَى
، بهمزة الاستفهام ، على طريقة الإنكار والاستبعاد . وقرأ نافع في رواية إسماعيل وابن جماز وجماعة ، وإسماعيل عن أبي جعفر وشيبة : بوصل الألف ، وهو من كلام الكفار . حكى اللّه تعالى شنيع قولهم ، وهو أنهم ما كفاهم أن قالوا ولد اللّه ، حتى جعلوا ذلك الولد بنات اللّه ، واللّه تعالى اختارهم على البنين . وقال
هامش
( 1 ) سورة الزخرف : 43 / 19 . ( 2 ) سورة الكهف : 18 / 51 . ( 3 ) سورة الزخرف : 43 / 19 .