تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 501

مساهمون:

ص٥٠١
وتعديد هذه النعم عليه صلّى اللّه عليه وسلم يقتضي أنه تعالى كما أحسن إليك بهذه المراتب ، فإنه يحسن إليك بظفرك على أعدائك وينصرك عليهم . وكان الكفار أيضا يعيرون المؤمنين بالفقر ، فذكره هذه النعم وقوى رجاءه بقوله :
فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً
: أي مع الضيق فرجا . ثم كرر ذلك مبالغة في حصول اليسر . ولما كان اليسر يعتقب العسر من غير تطاول أزمان ، جعل كأنه معه ، وفي ذلك تبشيرا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بحصول اليسر عاجلا . والظاهر أن التكرار للتوكيد ، كما قلنا . وقيل : تكرر اليسر باعتبار المحل ، فيسر في الدنيا ويسر في الآخرة . وقيل : مع كل عسر يسر ، إن من حيث أن العسر معرف بالعهد ، واليسر منكر ، فالأول غير الثاني . وفي الحديث : « لن يغلب عسر يسرين » . وضم سين العسر ويسرا فيهن ابن وثاب وأبو جعفر وعيسى ، وسكنهما الجمهور . ولما عدد تعالى نعمه السابقة عليه صلّى اللّه عليه وسلم ، ووعده بتيسير ما عسره ، أمره بأن يدأب في العبادة إذا فرغ من مثلها ولا يفتر . وقال ابن مسعود :
فَإِذا فَرَغْتَ
من فرضك ،
فَانْصَبْ
في التنفل عبادة لربك . وقال أيضا :
فَانْصَبْ
في قيام الليل . وقال مجاهد : قال
فَإِذا فَرَغْتَ
من شغل دنياك ،
فَانْصَبْ
في عبادة ربك . وقال ابن عباس وقتادة :
فَإِذا فَرَغْتَ
من الصلاة ،
فَانْصَبْ
في الدعاء . وقال الحسن :
فَإِذا فَرَغْتَ
من الجهاد ،
فَانْصَبْ
في العبادة . ويعترض قوله هذا بأن الجهاد فرض بالمدينة . وقرأ الجمهور :
فَرَغْتَ
بفتح الراء ؛ وأبو السمال : بكسرها ، وهي لغة . قال الزمخشري : ليست بفصيحة . وقرأ الجمهور :
فَانْصَبْ
بسكون الباء خفيفة ، وقوم : بشدها مفتوحة من الأنصاب . وقرأ آخرون من الإمامية : فانصب بكسر الصاد بمعنى : إذا فرغت من الرسالة فانصب خليفة . قال ابن عطية : وهي قراءة شاذة ضعيفة المعنى لم تثبت عن عالم ، انتهى . وقرأ الجمهور :
فَارْغَبْ
، أمر من رغب ثلاثيا : أي اصرف وجه الرغبات إليه لا إلى سواه . وقرأ زيد بن علي وابن أبي عبلة : فرغت ، أمر من رغب بشد الغين .