تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً
تقدم الكلام على ملة إبراهيم حنيفا في قوله :
قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً
« 1 » واتباعه . قال ابن عباس : في التوحيد . وقال أبو سليمان الدمشقي : في القيام للّه بما فرضه . وقيل : في جميع شريعته إلا ما نسخ منها .
وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا
هذا مجاز عن اصطفائه واختصاصه بكرامة تشبه كرامة الخليل عند خليله . وتقدم اشتقاق الخليل في المفردات . والجمهور : على أنها من الخلة وهي المودّة التي ليس فيها خلل . وقول محمد بن عيسى الهاشمي : إنه إنما سمي خليلا لأنه تخلى عما سوى خليله . فإن كان فسر المعنى فيمكن ، وإن كان أراد الاشتقاق فلا يصح لاختلاف المادتين . وعن رسول اللّه قال : « يا جبريل بم اتخذ اللّه إبراهيم خليلا ؟ قال : لإطعامه الطعام » والكرامة التي أكرمه اللّه بها ذكروها في قصة مطولة عن ابن عباس مضمونها : أن اللّه قلب له غرائر الرمل دقيقا حواري عجن ، وخبز وأطعم الناس منه . وعن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « اتخذ اللّه إبراهيم خليلا وموسى نجيا واتخذني حبيبا ثم قال : وعزتي وجلالي لأوثرن حبيبي على خليلي ونجيّي » لما أثنى على من اتبع ملة إبراهيم أخبر بمزيته عنده واصطفائه ، ليكون ذلك أدعى إلى اتباعه . لأن من اختصه اللّه بالخلة جدير بأن يتبع أو ليبين أن تلك الخلة إنما سببها حنيفية إبراهيم عن سائر الأديان إلى دين الحق كقوله :
وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً
« 2 » أي قدوة لإتمامك تلك الكلمات . ونبه بذلك على أنّ من عمل بشرعه كان له نصيب من مقامه . وليست هذه الجملة معطوفة على الجملة قبلها ، لأن الجملة قبلها معطوفة على صلة من ، ولا تصلح هذه للصلة ، وإنما هي معطوفة على الجملة الاستفهامية التي معناها الخبر ، أي : لا أحد أحسن دينا ممن أسلم وجهه للّه ، نبهت على شرف المنبع وفوز المتبع . وقال الزمخشري : ( فإن قلت ) : ما موقع هذه الجملة ؟ ( قلت ) : هي جملة اعتراضية لا محل لها من الإعراب كنحو ما يجيء في الشعر من قولهم : والحوادث جمة ، وفائدتها تأكيد وجوب اتباع ملته ، لأن من بلغ من الزلفى عند اللّه أن اتخذه خليلا كان جديرا بأن تتبع ملته وطريقته انتهى . فإن عنى بالاعتراض غير المصطلح عليه في الضوء فيمكن أن يصح قوله ، كأنه يقول : اعترضت الكلام . وإن عنى بالاعتراض المصطلح عليه فليس بصحيح ، إذ لا يعترض إلا بين مفتقرين كصلة وموصول ، وشرط وجزاء ، وقسم ومقسم عليه ، وتابع ومتبوع ، وعامل
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 2 / 135 . ( 2 ) سورة البقرة : 2 / 124 .