تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 331

مساهمون:

ص٣٣١
لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ
« 1 » ونظير هذه الآية :
وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ
« 2 » ومثله :
وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ
« 3 » ومعنى مجيء إن بغير باء ، دليل على أنه قبل إن قسم محذوف إذ لولا نية القسم لقال : فإنكم لمشركون الذين كفروا أي : الذين ثبتوا على هذا الاعتقاد . وأقام الظاهر مقام المضمر ، إذ كان الربط يحصل بقوله : ليمسنهم ، لتكرير الشهادة عليهم بالكفر في قوله : لقد كفر وللإعلام بأنهم كانوا بمكان من الكفر ، إذ جعل الفعل في صلة الذين وهي تقتضي كونها معلومة للسامع مفروغا من ثبوتها ، واستقرارها لهم ومن في منهم للتبعيض ، أي كائنا منهم ، والربط حاصل بالضمير ، فكأنه قيل : كافرهم وليسوا كلهم بقوا على الكفر ، بل قد تاب كثير منهم من النصرانية . ومن أثبت أنّ من تكون لبيان الجنس أجاز ذلك هنا ، ونظره بقوله :
فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ
« 4 » .
أَ فَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ
هذا لطف بهم واستدعاء إلى التنصل من تلك المقالة الشنعاء بعد أن كرّر عليهم الشهادة بالكفر . والفاء في أفلا للعطف ، حجزت بين الاستفهام ولا النافية ، والتقدير : فألا . وعلى طريقة الزمخشري تكون قد عطفت فعلا على فعل ، كأن التقدير : أيثبتون على الكفر فلا يتوبون ، والمعنى على التعجب من انتفاء توبتهم وعدم استغفارهم ، وهم أجدر الناس بذلك ، لأن كفرهم أقبح الكفر ، وأفضح في سوء الاعتقاد ، فتعجب من كونهم لا يتوبون من هذا الجرم العظيم . وقال الفراء : هو استفهام معناه الأمر كقوله :
فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ
« 5 » . قال : إنما كان بمعنى الأمر ، لأنّ المفهوم من الصيغة طلب التوبة والحث عليها ، فمعناه : توبوا إلى اللّه واستغفروه من ذنبكم القولين المستحيلين انتهى . وقال ابن عطية : رفق جل وعلا بهم بتحضيضه إياهم على التوبة وطلب المغفرة انتهى . وما ذكروه من الحث والتحضيض على التوبة من حيث المعنى ، لا من حيث مدلول اللفظ ، لأن أفلا غير مدلول ألا التي للحض والحث .
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
نبه تعالى على هذين الوصفين اللذين بهما يحصل قبول التوبة والغفران للحوبة ، والمعنى : كيف لا توجد التوبة من هذا الذنب وطلب المغفرة والمسؤول منه ذلك متصف بالغفران التام والرحمة الواسعة لهؤلاء وغيرهم ؟
هامش
( 1 ) سورة الأحزاب : 33 / 60 . ( 2 ) سورة الأعراف : 7 / 23 . ( 3 ) سورة الأنعام : 6 / 121 . ( 4 ) سورة الحج : 22 / 30 . ( 5 ) سورة المائدة : 5 / 91 .