تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 332

مساهمون:

ص٣٣٢
مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ
لما رد على النصارى قولهم الأول بقول المسيح :
اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ
« 1 » والثاني بقوله :
وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ
« 2 » أثبت له الرسالة بصورة الحصر ، أي ما المسيح ابن مريم شيء مما تدعيه النصارى من كونه إلها وكونه أحد آلهة ثلاثة ، بل هو رسول من جنس الرسل الذين خلوا وتقدموا ، جاء بآيات من عند اللّه كما جاءوا ، فإن أحيا الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص على يده ، فقد أحيا العصا وجعلها حية تسعى ، وفلق البحر ، وطمس على يد موسى ، وإن خلقه من غير ذكر فقد خلق آدم من غير ذكر وأنثى . وفي قوله : إلا رسول رد على اليهود حيث ادعوا كذبه في دعوى الرسالة ، وحيث ادعوا أنه ليس لرشده . وقرأ حطان : من قبله رسل بالتنكير .
وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ
هذا البناء من أبنية المبالغة ، والأظهر أنه من الثلاثي المجرد ، إذ بناء هذا التركيب منه سكيت وسكير ، وشريب وطبيخ ، من سكت وسكر ، وشرب وطبخ . ولا يعمل ما كان مبنيا من الثلاثي المتعدي كما يعمل فعول وفعال ومفعال ، فلا يقال : زيد شريب الماء ، كما تقول : ضراب زيدا ، والمعنى : الإخبار عنها بكثرة الصدق . قال ابن عطية : ويحتمل أن يكون من التصديق ، وبه سمي أبو بكر الصديق . ولم يذكر الزمخشري غير أنه من التصديق . وهذا القول خلاف الظاهر من هذا البناء . قال الزمخشري : وأمه صديقة أي وما أمه لا كبعض النساء المصدقات للأنبياء المؤمنات بهم ، فما منزلتهما إلا منزلة بشرين : أحدهما نبي ، والآخر صحابي ، فمن أين اشتبه عليكم أمرهما حتى وصفتموهما بما لم يوصف به سائر الأنبياء وصحابتهم ؟ مع أنه لا تميز ولا تفاوت بينهما وبينهم بوجه من الوجوه انتهى . وفيه تحميل لفظ القرآن ما ليس فيه ، من ذلك أن قوله : وأمه صديقة ليس فيه إلا الإخبار عنها بصفة كثرة الصدق ، وجعله هو من باب الحصر فقال : وما أمه إلا كبعض النساء المصدقات إلى آخره ، وهكذا عادته يحمل ألفاظ القرآن ما لا تدل عليه . قال الحسن : صدقت جبريل عليه السّلام لما أتاها كما حكى تعالى عنها :
وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ
« 3 » . وقيل : صدقت بآيات ربها ، وبما أخبر به ولدها . وقيل : سميت بذلك لمبالغتها في صدق حالها مع اللّه ، وصدقها في براءتها مما رمتها به اليهود . وقيل : وصفها
هامش
( 1 ) سورة المائدة : 5 / 72 . ( 2 ) سورة المائدة : 5 / 73 . ( 3 ) سورة الصافات : 37 / 105 .