تعالى . وقال القفال في سورة بني إسرائيل ؛ ما يجوز أن يكون تفسيرا لهذه الآية وقيل : الأول بعد موسى ثم تاب عليهم ببعث عيسى . والثاني بالكفر بالرسول . والذي يظهر أن المعنى حسب بنو إسرائيل حيث هم أبناء الرسل والأنبياء أن لا يبتلوا إذا عصوا اللّه ، فعصوا اللّه تعالى وكنى عن العصيان بالعمى والصمم ، ثم تاب اللّه عليهم إذ حلت بهم الفتنة برجوعهم عن المعصية إلى طاعة اللّه تعالى ، وبدئ بالعمى لأنه أول ما يعرض للمعرض عن الشرائع أن لا يبصر من أتاه بها من عند اللّه ، ثم لو أبصره لم يسمع كلامه ، فعرض لهم الصمم عن كلامه . ولما كانوا قبل ذلك على طريق الهداية ، ثم عرض لهم الضلال ، نسب الفعل إليهم وأسند لهم ولم يأت ، فأعماهم اللّه وأصمهم كما جاء في قوله :
أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ
« 1 » إذ هذا فيمن لم تسبق له هداية ، وأسند الفعل الشريف إلى اللّه تعالى في قوله :
ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ
« 2 » لم يأت ، ثم تابوا إظهارا للاعتناء بهم ولطفه تعالى بهم . وفي العطف بالفاء دليل على أنهم يعقب الحسبان عصيانهم وضلالهم ، وفي العطف بثمّ دليل على أنهم تمادوا في الضلال زمانا إلى أن تاب اللّه عليهم . وقرأ النخعي وابن وثاب بضم العين والصاد وتخفيف الميم من عموا ، جرت مجرى زكم الرجل وأزكمه ، وحم وأحمه ، ولا يقال : زكمه اللّه ولا حمه اللّه ، كما لا يقال : عميته ولا صممته ، وهي أفعال جاءت مبنية للمفعول الذي لم يسم فاعله وهي متعدّية ثلاثية ، فإذا بنيت للفاعل صارت قاصرة ، فإذا أردت بناءها للفاعل متعدية أدخلت همزة التنقل وهي نوع غريب في الأفعال . وقال الزمخشري : وعموا وصموا بالضم على تقدير عماهم اللّه وصمهم أي : رماهم بالعمى والصمم كما يقال : نزكته إذا ضربته بالنيزك ، وركبته إذا ضربته بركبتك انتهى . وارتفاع كثير على البدل من المضمر . وجوّزوا أن يرتفع على الفاعل ، والواو علامة للجمع لا ضمير على لغة أكلوني البراغيث ، ولا ينبغي ذلك لقلة هذه اللغة . وقيل : خبر مبتدأ محذوف تقديره هم أي : العمى والصم كثير منهم . وقيل : مبتدأ والجملة قبله في موضع الخبر . وضعف بأن الفعل قد وقع موقعه ، فلا ينوي به التأخير . والوجه هو الإعراب الأول . وقرأ ابن أبي عبلة : كثيرا منهم بالنصب .
وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ
هذا فيه تهديد شديد ، وناسب ختم الآية بهذه الجملة المشتملة على بصير ، إذ تقدّم قبله فعموا .
هامش
( 1 ) سورة محمد : 47 / 23 .
( 2 ) سورة المائدة : 5 / 71 .