تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 268

مساهمون:

ص٢٦٨
بالتوراة ابنا صوريا كان أحدهما ربانيا ، والآخر حبرا ، وكانا قد أعطيا النبي عهدا أن لا يسألهما عن شيء من أمر التوراة إلا أخبراه به ، فسألهما عن أمر الرجم فأخبراه به على وجهه ، فنزلت الآية مشيرة إليهما . قال ابن عطية : وفي هذا نظر . والرواية الصحيحة أن ابنا صوريا وغيرهم جحدوا أمر الرجم ، وفضحهم فيه عبد اللّه بن سلام ، وإنما اللفظ في كل حبر مستقيم فيما مضى من الزمان ، وأما في مدة محمد صلى اللّه عليه وسلم فلو وجد لأسلم ، فلم يسم حبرا ولا ربانيا انتهى .
بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ
الباء في بما للسبب ، وتتعلق بقوله : يحكم . واستفعل هنا للطلب ، والمعنى : بسبب ما استحفظوا . والضمير في استحفظوا عائد على النبيين والربانيين والأحبار أي : بسبب ما طلب اللّه منهم حفظهم لكتاب اللّه وهو التوراة ، وكلفهم حفظها ، وأخذ عهده عليهم في العمل بها والقول بها ، وقد أخذ اللّه على العلماء حفظ الكتاب من وجهين : أحدهما : حفظه في صدورهم ودرسه بألسنتهم . والثاني : حفظه بالعمل بأحكامه واتباع شرائعه . وهؤلاء ضيعوا ما استحفظوا حتى تبدلت التوراة . وفي بناء الفعل للمفعول وكون الفعل للطلب ما يدل على أنه تعالى لم يتكفل بحفظ التوراة ، بل طلب منهم حفظها وكلفهم بذلك ، فغيروا وبدلوا وخالفوا أحكام اللّه بخلاف كتابنا ، فإنّ اللّه تعالى قد تكفل بحفظه ، فلا يمكن أن يقع فيه تبديل ولا تغيير . قال تعالى :
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
« 1 » وقيل : الضمير في استحفظوا عائد على الربانيين والأحبار فقط . والذين استحفظهم التوراة هم الأنبياء .
وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ
الظاهر أنّ الضمير عائد على كتاب اللّه أي : كانوا عليه رقباء لئلا يبدل . والمعنى يحكم بأحكام التوراة النبيون بين موسى وعيسى ، وكان بينهما ألف نبي للذين هادوا يحملونهم على أحكام التوراة لا يتركونهم أن يعدلوا عنها ، كما فعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من حملهم على حكم الرجم وإرغام أنوفهم ، وإبائهم عليهم ما اشتهوه من الجلد . وقيل : الهاء تعود على الحكم أي : وكانوا شهداء على الحكم . وقيل : عائد على الرسول أي : وكانوا شهداء على أنه نبي مرسل .
فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا
هذا نهي للحكام عن خشيتهم غير اللّه في حكوماتهم ، وإذهابهم فيها وإمضائها على خلاف ما أمروا به من العدل
هامش
( 1 ) سورة الحجر : 15 / 9 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 268 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل