تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
التوراة ناطقة بحكم اللّه . أو لا محل له ، وتكون جملة مبينة ، لأن عندهم ما يغنيهم عن التحكيم كما تقول : عندك زيد ينصحك ويشير عليك بالصواب فما تصنع بغيره ؟ وهذان الإعرابان للزمخشري .
ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ
أي من بعد تحكيمك الموافق لما في كتابهم ، لأن التعجيب من التحكيم إنما كان بعد صدوره منهم ، ثم تولوا عنه ولم يرضوا به . وقال ابن عطية : من بعد ذلك ، أي من بعد حكم اللّه في التوراة وما أشبهه من الأمور التي خالفوا فيها أمر اللّه انتهى . وهذه الجملة مستأنفة أي : ثم هم يتولون بعد . وهي إخبار من اللّه بتوليهم على عادتهم في أنهم إذا وضح لهم الحق أعرضوا عنه وتولوا . قال الزمخشري : ( فإن قلت ) : علام عطف ثم يتولون ؟ ( قلت ) : على يحكمونك انتهى . ويكون إذ ذاك داخلا في الاستفهام الذي يراد به التعجب ، أي ثمّ كيف يتولون بعد ذلك ، فيكون قد تعجب من تحكيمهم إياه ، ثم من توليهم عنه . أي : كيف رضوا به ثم سخطوه ؟ .
وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ
ظاهره نفي الإيمان عنهم ، أي : من حكم الرسول ، وخالف كتابه ، وأعرض عما حكم له ، إذ وافى كتابه فهو كافر . وقيل : هو إخبار عنهم أنهم لا يؤمنون أبدا ، فهو خبر عن المستقبل لا الماضي . وقيل : نفي الإيمان بالتوراة وبموسى عنهم . وقيل : هو تعليق بقوله : وكيف يحكمونك ، أي أعجب لتحكيمهم إياك ، وليسوا بمؤمنين بك ، ولا معتقدين في صحة حكمك ، وذلك يدل على أنهم إنما قصدهم تحصيل منافع الدنيا وأغراضهم الفاسدة دون اتباع الحق .
إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ
قال ابن مسعود ، وابن عباس ، والحسن : نزلت في الجاحدين حكم اللّه ، وهي عامة في كل من جحد حكم اللّه . وقال البراء بن عازب : نزل
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ
- إلى -
فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ
« 1 » في اليهود خاصة وذكر قصة رجم اليهوديين . وقيل لحذيفة :
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ
« 2 » نزلت في بني إسرائيل ؟ قال نعم . وقال الحسن وأبو مجلز وأبو جعفر : هي في اليهود . وقال الحسن : هي علينا واجبة . وقال قتادة : ذكر لنا أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يقول لما نزلت هذه الآية : « نحن نحكم على اليهود وعلى من سواهم من أهل الأديان » وفي الآية ترغيب لليهود بأن يكونوا كمتقدميهم من مسلمي أحبارهم ، وتنبيه المنكرين لوجوب الرجم . وقال
هامش
( 1 ) سورة المائدة : 5 / 41 - 44 . ( 2 ) سورة المائدة : 5 / 45 .