تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣
الجملة قيل : حال . وقيل : صفة على تقدير نية الانفصال أي : وكلمة منه . ومعنى روح منه أي : صادرة ، لأنه ذو روح وجد من غير جزء من ذي روح ، كالنطفة المنفصلة من الأب الحي ، وإنما اخترع اختراعا من عند اللّه وقدرته . وقال أبي بن كعب : عيسى روح من أرواح اللّه تعالى الذي خلقها واستنطقها بقوله :
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى
« 1 » بعثه اللّه إلى مريم فدخل . وقال الطبري وأبو روق : وروح منه أي نفخة منه ، إذ هي من جبريل بأمره . وأنشد بيت ذي الرمة :
فقلت له اضممها إليك وأحيها * بروحك واجعله لها قيتة قدرا
يصف سقط النار وسمي روحا لأنه حدث عن نفخة جبريل . وقيل : ومعنى وروح منه أي رحمة . ومنه
وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ
« 2 » . وقيل : سمي روحا لإحياء الناس به كما يحيون بالأرواح ، ولهذا سمي القرآن روحا . وقيل : المعنى بالروح هنا الوحي أي : ووحي إلى جبريل بالنفخ في درعها ، أو إلى ذات عيسى أن كن ، ونكر وروح لأن المعنى على تقدير صفة لا على إطلاق روح ، أي : وروح شريفة نفيسة من قبله تعالى . ومن هنا لابتداء الغاية ، وليست للتبعيض كما فهمه بعض النصارى فادعى أنّ عيسى جزء من اللّه تعالى ، فرد عليه علي بن الحسين بن وافد المروزي حين استدل النصراني بأنّ في القرآن ما يشهد لمذهبه وهو قوله : وروح منه ، فأجابه ابن وافد بقوله :
وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ
« 3 » . وقال : إن كان يجب بهذا أن يكون عيسى جزأ منه وجب أن يكون ما في السماوات وما في الأرض جزأ منه ، فانقطع النصراني وأسلم . وصنف ابن فائد إذ ذاك كتاب النظائر .
فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ
أي الذين من جملتهم عيسى ومحمد عليهما السّلام .
وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ
خبر مبتدأ محذوف أي : الآلهة ثلاثة . قال الزمخشري : والذي يدل عليه القرآن التصريح منهم بأن اللّه والمسيح ومريم ثلاثة آلهة ، وأن المسيح ولد اللّه من مريم . ألا ترى إلى قوله :
أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ
« 4 » . وقالت النصارى : المسيح ابن اللّه ، والمشهور المستفيض عنهم أنهم يقولون في المسيح لاهوتيته وناسوتيته من جهة الأب والأم ، ويدل عليه قوله : إنما المسيح عيسى ابن مريم ،
هامش
( 1 ) سورة الأعراف : 7 / 172 . ( 2 ) سورة المجادلة : 58 / 22 . ( 3 ) سورة الجاثية : 45 / 13 . ( 4 ) سورة المائدة : 5 / 116 .