يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ
هذا خطاب لجميع الناس . وإن كانت السورة مدنية فالمأمور به أمر عام ، ولو كان خاصا بتكليف ما لكان النداء خاصا بالمؤمنين في الغالب . والرسول هنا محمد صلى اللّه عليه وسلم ، والحق هو شرعه ، وقد فسر بالقرآن وبالدين وبشهادة التوحيد . وروي عن ابن عباس أنها نزلت في المشركين . وفي انتصاب خيرا لكم هنا . وفي قوله : انتهوا خيرا لكم في تقدير الناصب ثلاثة أوجه : مذهب الجليل ، وسيبويه . وأتوا خيرا لكم ، وهو فعل يجب إضماره . ومذهب الكسائي وأبي عبيدة : يكن خيرا لكم ، ويضمر إن يكن ومذهب الفراء إيمانا خيرا لكم وانتهاء خيرا لكم ، بجعل خيرا نعتا لمصدر محذوف يدل عليه الفعل الذي قبله . والترجيح بين هذه الأوجه مذكور في علم النحو .
وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
تقدم تفسير مثل هذا .
وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً
عليما بما يكون منكم من كفر وإيمان فيجازيكم عليه ، حكيما في تكليفكم مع علمه تعالى بما يكون منكم .
يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ
قيل : نزلت في نصارى نجران قاله مقاتل .
وقال الجمهور : في عامة النصارى ، فإنهم يعتقدون الثالوث يقولون : الأب ، والابن ، وروح القدس إله واحد . وقيل : في اليهود والنصارى ، نهاهم عن تجاوز الحد . والمعنى : في دينكم الذي أنتم مطلوبون به ، وليست الإشارة إلى دينهم المضلل ، ولا أمروا بالثبوت عليه دون غلو ، وإنما أمروا بترك الغلو في دين اللّه على الإطلاق . وغلت اليهود في حط المسيح عليه السّلام عن منزلته حيث جعلته مولودا لغير رشده ، وغلت النصارى فيه حيث جعلوه إلها . والذي يظهر أنّ قوله : يا أهل الكتاب خطاب للنصارى ، بدليل آخر الآية . ولما أجاب اللّه تعالى عن شبه اليهود الذين يبالغون في الطعن على المسيح أخذ في أمر النصارى الذين يفرطون في تعظيم المسيح حتى ادعوا فيه ما ادعوا .
وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ
وهو تنزيهه عن الشريك والولد والحلول والاتحاد .
إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ
قرأ جعفر بن محمد : إنما المسيح على وزن السكيت .
وتقدم شرح الكلمة في
بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ
« 1 » ومعناها ألقاها إلى مريم أوجد هذا الحادث في مريم وحصله فيها . وهذه
هامش
( 1 ) سورة آل عمران : 3 / 45 .