تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 484

مساهمون:

ص٤٨٤
أي : خير لهم مما يتقلب فيه الكفار من المتاع الزائل . وقيل : خير هنا ليست للتفضيل ، كما أنها في قوله تعالى :
أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا
« 1 » والأظهر ما قدمناه . وللأبرار متعلق بخير ، والأبرار هم المتقون الذين أخبر عنهم بأن لهم جنات . وقيل : فيه تقديم وتأخير . أي الذي عند اللّه للأبرار خير لهم ، وهذا ذهول عن قاعدة العربية من أن المجرور إذ ذاك يتعلق بما تعلق به الظرف الواقع صلة للموصول ، فيكون المجرور داخلا في حيز الصلة ، ولا يخبر عن الموصول إلا بعد استيفائه صلته ومتعلقاتها .
وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ
لما مات أصمحة النجاشي ملك الحبشة . ومعنى أصمحة بالعربية عطية ، قال سفيان بن عيينة وغيره : « صلى عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم » فقال قائل : يصلي عليه العلج النصراني وهو في أرضه فنزلت ، قاله : جابر بن عبد اللّه ، وابن عباس ، وأنس . وقال الحسن وقتادة : في النجاشي وأصحابه . وقال ابن عباس فيما روى عنه أبو صالح : في مؤمني أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، وبه قال : مجاهد . وقال ابن جريج وابن زيد ومقاتل : في عبد اللّه بن سلام وأصحابه . وقال عطاء : في أربعين من نجران ، واثنين وثلاثين من الحبشة ، وثمانية من الروم ، كانوا على دين عيسى فآمنوا بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومن في لمن الظاهر أنها موصولة ، وأجيز أن تكون نكرة موصوفة أي : لقوما . والذي أنزل إلينا هو القرآن ، والذي أنزل إليهم هو كتابهم .
خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا
كما اشترت بها أحبارهم الذين لم يؤمنوا . وانتصاب خاشعين على الحال من الضمير في يؤمن ، وكذلك لا يشترون هو في موضع نصب على الحال . وقيل : حال من الضمير في إليهم ، والعامل فيها أنزل . وقيل : حال من الضمير في لا يشترون ، وهما قولان ضعيفان . ومن جعل من نكرة موصوفة ، يجوز أن يكون خاشعين ولا يشترون صفتين للنكرة . وجمع خاشعين على معنى من كما جمع في وما أنزل إليهم . وحمل أولا على اللفظ في قوله : يؤمن ، فأفرد وإذا اجتمع الحملان ، فالأولى أن يبدأ بالحمل على اللفظ . وأتى في الآية بلفظ يؤمن دون آمن ، وإن كان إيمان من نزل فيهم قد وقع إشارة إلى الديمومة والاستمرار . ووصفهم بالخشوع وهو التذلل والخضوع المنافي للتعاظم والاستكبار ، كما قال تعالى :
وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ
« 2 » .
هامش
( 1 ) سورة الفرقان : 25 / 24 . ( 2 ) سورة المائدة : 5 / 82 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 484 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل