تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 483

مساهمون:

ص٤٨٣
فدل على قلّة ما متعوا به ، لأنّ ذلك منقض بانقضاء حياتهم ، ودلّ على استقرارهم في النار . استدرك بلكن الإخبار عن المتقين بمقابل ما أخبر به عن الكافرين ، وذلك شيئان : أحدهما مكان استقرار وهي الجنات ، والثاني ذكر الخلود فيها وهو الإقامة دائما والتمتع بنعيمها سرمدا . فقابل جهنم بالجنات ، وقابل قلة متاعهم بالخلود الذي هو الديمومة في النعيم ، فوقعت لكن هنا أحسن موقع ، لأنه آل معنى الجملتين إلى تكذيب الكفار وإلى تنعيم المتقين ، فهي واقعة بين الضدين . وقرأ الجمهور : لكن خفيفة النون . وقرأ أبو جعفر : بالتشديد ، ولم يظهر لها عمل ، لأن اسمها مبني .
نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
النزل ما يعد للنازل من الضيافة والقرى . ويجوز تسكين رايه ، وبه قرأ : الحسن ، والنخعي ، ومسلمة بن محارب ، والأعمش . وقال الشاعر :
وكنا إذا الجبار بالجيش ضافنا * جعلنا القنا والمرهفات له نزلا
قال ابن عباس : النزل الثواب ، وهي كقوله :
ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
« 1 » وقال ابن فارس : النزل ما يهيأ للنزيل ، والنزيل الضيف . وقيل : النزل الرزق وما يتغذى به . ومنه :
فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ
« 2 » أي فغذاؤه . ويقال : أقمت للقوم نزلهم أي ما يصلح أن ينزل عليه من الغذاء ، وجمعه أنزال . وقال الهروي : الأنزال التي سويت ، ونزل عليها . ومعنى من عند اللّه : أي لا من عند غيره ، وسماه نزلا لأنه ارتفع عنهم تكاليف السعي والكسب ، فهو شيء مهيأ يهيأ لهم لا تعب عليهم في تحصيله هناك ، ولا مشقة . كالطعام المهيأ للضيف لم يتعب في تحصيله ، ولا في تسويته ومعالجته . وانتصاب نزلا قالوا : إما على الحال من جنات لتخصصها بالوصف ، والعامل فيها العامل في لهم . وإما بإضمار فعل أي : جعلها نزلا . وإمّا على المصدر المؤكد فقدره ابن عطية : تكرمة ، وقدره الزمخشري : رزقا أو عطاء . وقال الفرّاء : انتصب على التفسير كما تقول : هو لك هبة وصدقة انتهى . وهذا القول راجع إلى الحال .
وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ
ظاهره حوالة الصلة على ما تقدم من قوله : نزلا من عند اللّه . والمعنى : أن الذي أعده اللّه للأبرار في الآخرة خير لهم ، فيحتمل أن يكون المفضل عليه بالنسبة للأبرار أي خير لهم مما هم فيه في الدنيا ، وإليه ذهب : ابن مسعود . وجاء « لموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها » ويحتمل أن يكون بالنسبة إلى الكفار ،
هامش
( 1 ) سورة آل عمران : 3 / 195 . ( 2 ) سورة الواقعة : 56 / 93 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 483 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل