تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 486

مساهمون:

ص٤٨٦
كانوا حماة ، ليسوا بمرابطين انتهى كلامه . وقال الزمخشري : وصابروا أعداء اللّه في الجهاد أي غالبوهم في الصبر على شدائد الحرب ، لا تكونوا أقل صبرا منهم وثباتا . والمصابرة باب من الصبر ، ذكر بعد الصبر على ما يجب الصبر عليه تحقيقا لشدته وصعوبته . ورابطوا : وأقيموا في الثغور رباطين خيلكم فيها مترصدين مستعدين للغزو . قال اللّه تعالى :
وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ
« 1 » وعن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « من رابط يوما وليلة في سبيل اللّه كان كعدل صيام شهر وقيامه لا يفطر ولا ينفتل عن صلاته إلا لحاجة » انتهى كلام الزمخشري . وفي البخاري قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « رباط يوم في سبيل اللّه خير من الدنيا وما فيها » و في مسلم : « رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه وإن مات جرى عليه رزقه وأمن الفتان » و في سنن أبي داود قال : « كل الميت يختم على عمله إلا المرابط فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة ويؤمن من فتاني القبر » . وتضمنت هذه الآيات من ضروب البيان والبديع الاستعارة . عبر بأخذ الميثاق عن التزامهم أحكام ما أنزل عليهم من التوراة والإنجيل ، وبالنبذ وراء ظهورهم عن ترك عملهم بمقتضى تلك الأحكام ، وباشتراء ثمن قليل عن ما تعوضوه من الحطام على كتم آيات اللّه ، وبسماع المنادي إن كان القرآن عن ما تلقوه من الأمر والنهي والوعد والوعيد بالاستجابة عن قبول مسألتهم ، وبانتفاء التضييع عن عدم مجازاته على يسير أعمالهم ، وبالتقلب عن ضربهم في الأرض لطلب المكاسب ، وبالمهاد عن المكان المستقر فيه ، وبالنزل عما يعجل اللّه لهم في الجنة من الكرامة ، وبالخشوع الذي هو تهدم المكان وتغير معالمه عن خضوعهم وتذللهم بين يديه ، وبالسرعة التي هي حقيقة في المشي عن تعجيل كرامته . قيل : ويحتمل أن يكون الحساب استعير للجزاء ، كما استعير
وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ
« 2 » لأن الكفار لا يقام لهم حساب كما قال تعالى :
فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً
« 3 » والطباق في : لتبيينه للناس ولا تكتمونه ، وفي السماوات والأرض ، واختلاف الليل والنهار ، فالسماء جهة العلو والأرض جهة السفل ، والليل عبارة عن الظلمة والنهار عبارة عن النور ، وفي : قياما وقعودا ومن : ذكر أو أنثى . والتكرار : في لا تحسبن فلا تحسبنهم ، وفي : ربنا في خمسة مواضع ، وفي : فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا إن كان المعنى واحدا
هامش
( 1 ) سورة الأنفال : 8 / 60 . ( 2 ) سورة الحاقة : 69 / 26 . ( 3 ) سورة الكهف : 18 / 105 .