تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 481

مساهمون:

ص٤٨١
يقدر عليه . كما تقول عندي ما تريد ، تريد اختصاصك به وتملكه ، وإن لم يكن بحضرتك . وأعربوا عنده حسن الثواب مبتدأ ، وخبرا في موضع خبر المبتدأ الأول . والأحسن أن يرتفع حسن على الفاعلية ، إذ قد اعتمد الظرف بوقوعه خبرا فالتقدير : واللّه مستقر ، أو استقرّ عنده حسن الثواب . قال الزمخشريّ : وهذا تعليم من اللّه كيف يدعى ، وكيف يبتهل إليه ويتضرّع ، وتكرير ربنا من باب الابتهال ، وإعلام بما يوجب حسن الإجابة وحسن الإثابة من احتمال المشاق في دين اللّه والصبر على صعوبة تكاليفه ، وقطع لأطماع الكسالى المتمنين عليه ، وتسجيل على من لا يرى الثواب موصولا إليه بالعمل بالجهل والغباوة انتهى . وآخر كلامه إشارة إلى مذهب المعتزلة وطعن على أهل السنة والجماعة .
لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ
قيل : نزلت في اليهود كانوا يضربون في الأرض فيصيبون الأموال قاله : ابن عباس . وقال أيضا : هم أهل مكة . وروي أنّ ناسا من المؤمنين كانوا يرون ما كانوا فيه من الخصب والرخاء ولين العيش ، فيقولون : إنّ أعداء اللّه فيما نرى من الخير وقد هلكنا من الجوع والجهد . وقال مقاتل : في مشركي العرب والذين كفروا لفظ عام ، والكاف للخطاب . فقيل : لكل سامع . وقيل : هو خطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، والمراد أمته . قاله : ابن عطية . وقال : نزلت لا يغرنك في هذه الآية منزلة لا تظن أن حال الكفار حسنة فتهتم لذلك ، وذلك أن المغتر فارح بالشيء الذي يغتر به . فالكفار مغترون بتقلبهم ، والمؤمنون مهتمون به . لكنه ربما يقع في نفس مؤمن أنّ هذا الإملاء للكفار إنما هو خير لهم ، فيجيء هذا جنوحا إلى حالهم ، ونوعا من الاغترار ، ولذلك حسنت لا يغرنك . ونظيره قول عمر لحفصة : « لا يغرنك أن كانت جارتك أوضأ منك وأحب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم » المعنى : لا تغتري بما ينم لتلك من الإدلال فتقعي فيه فيطلقك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم انتهى . وقال الزمخشري : لا يغرنك الخطاب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، أو لكل أحد . أي : لا تنظر إلى ما هم عليه من سعة الرزق ، والمضطرب ودرك العاجل وإصابة حظوظ الدنيا ، ولا تغترر بظاهر ما ترى من تبسطهم في الأرض وتصرفهم في البلاد . ( فإن قلت ) : كيف جاز أن يغتر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بذلك حتى ينهى عنه وعن الاغترار به ؟ ( قلت ) : فيه وجهان : أحدهما أن مدرة القوم ومقدمهم يخاطب بشيء فيقوم خطابه مقام خطابهم جميعا ، فكأنه قيل : لا يغرنكم . والثاني أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان غير مغرور بحالهم ، فأكد عليه ما كان وثبت على التزامه كقوله :
وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ
« 1 » و
لا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ *
« 2 »
هامش
( 1 ) سورة هود : 13 / 14 . ( 2 ) سورة الأنعام : 6 / 14 .