تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 482

مساهمون:

ص٤٨٢
فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ
« 1 » وهذا في النهي نظير قوله في الأمر :
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
« 2 »
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا
« 3 » وقد جعل النهي في الظاهر للتقلب ، وهو في المعنى للمخاطب . وهذا من تنزيل السبب منزلة المسبب ، لأن التقلب لو غره لاغتر به ، فمنع السبب ليمتنع المسبب انتهى كلامه . وملخص الوجهين اللذين ذكرهما : أن يكون الخطاب له والمراد أمّته ، أوله على جهة التأكيد والتنبيه ، وإن كان معصوما من الوقوع فيه كما قيل :
قد يهزّ الحسام وهو حسام * ويجب الجواد وهو جواد
وقرأ ابن أبي إسحاق ويعقوب : لا يغرنك ولا يصدنك ولا يصدنكم ولا يغرنكم وشبهه بالنون الخفيفة . وتقلبهم : هو تصرفهم في التجارات قاله : ابن عباس ، والفراء ، وابن قتيبة ، والزجاج . أو ما يجري عليهم من النعم قاله : عكرمة ، ومقاتل . أو تصرّفهم غير مأخوذين بذنوبهم قاله : بعض المفسرين .
مَتاعٌ قَلِيلٌ
أي ذلك التقلب والتبسط شيء قليل متعوا به ، ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد . وقلته باعتبار انقضائه وزواله ، وروي : « ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم يرجع » أخرجه الترمذي . و روي : « ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب قال في ظل شجرة في يوم حار ثم راح وتركها » أو باعتبار ما فاتهم من نعيم الآخرة ، أو باعتبار ما أعدّ اللّه للمؤمنين من الثواب .
ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ
ثم المكان الذي يأوون إليه إنما هو جهنم ، وعبر بالمأوى إشعارا بانتقالهم عن الأماكن التي تقلبوا فيها وكان البلاد التي تقلبوا فيها إنما كانت لهم أماكن انتقال من مكان إلى مكان ، لا قرار لهم ولا خلود . ثم المأوى الذي يأوون إليه ويستقرّون فيه هو جهنم .
وَبِئْسَ الْمِهادُ
أي وبئس المهاد جهنم . وقال الحطيئة :
أطوّف ما أطوف ثم آوى * إلى بيت قعيدته لكاع
لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها
لما تضمن ما تقدم أن ذلك التقلب والتصرف في البلاد هو متاع قليل ، وإنهم يأوون بعد إلى جهنم ،
هامش
( 1 ) سورة القلم : 68 / 8 . ( 2 ) سورة الفاتحة : 1 / 5 . ( 3 ) سورة النساء : 4 / 136 .