تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 479

مساهمون:

ص٤٧٩
واسم الهجرة وفضلها الخاص قد انقطع بعد الفتح ، ولكنّ المعنى باق إلى يوم القيامة . وقد تقدّم معنى المفاعلة في هاجر ، ثم ذكر الإخراج من الديار وهو : أنهم ألجئوا واضطروا إلى ذلك ، وفيه إلزام الذنب للكفار . والمعنى : أن المهاجرين إنما أخرجهم سوء عشرة الكفار وقبيح أفعالهم معهم ، كما قال تعالى :
وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ
« 1 » وإذا كان الخروج برأي الإنسان وقوة منه على الأعداء جاء الكلام بنسبة الخروج إليه ، فقيل : خرج فلان ، قال معناه : ابن عطية . قال : فمن ذلك إنكار النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على أبي سفيان بن الحارث حين أنشده . وردني إلى اللّه من طردته كل مطرد فقال له الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : « أنت طرّدتني كل مطرد » إنكارا عليه . ومن ذلك قول كعب بن زهير :
في عصبة من قريش قال قائلهم * ببطن مكة لما أسلموا زولوا
زالوا فما زال أنكاس ولا كشف * عند اللقاء ولا ميل معازيل
انتهى . ثم ذكر الإذاية في سبيل اللّه ، والمعنى : في دين اللّه . وبدأ أولا بالخاص وهي الهجرة وكانت تطلق على الهجرة إلى المدينة إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وثنى بما ينشأ عنه ما هو أعم من الهجرة وهو الإخراج من الديار . فقد يخرج إلى الهجرة إلى المدينة أو إلى غيرها كخروج من خرج إلى الحبشة ، وكخروج أبي جندل إذ لم يترك يقيم بالمدينة . وأتى ثالثا بذكر الإذاية وهي أعم من أن تكون بإخراج من الديار أو غير ذلك من أنواع الأذى ، وارتقى بعد هذه الأوصاف السنية إلى رتبة جهاد من أخرجه ومقاومته واستشهاده في دين اللّه ، فجمع بين رتب هذه الأعمال من تنقيص أحواله في الحياة لأجل دين اللّه بالمهاجرة ، وإخراجه من داره وإذايته في اللّه ، ومآله أخيرا إلى إفنائه بالقتل في سبيل اللّه . والظاهر : الإخبار عن من جمع هذه الأوصاف كلها بالخبر الذي بعد ، ويجوز أن يكون ذلك من عطف الصلاة . والمعنى : اختلاف الموصول لا اتحاده ، فكأنه قيل : فالذين هاجروا ، والذين أخرجوا ، والذين أوذوا ، والذين قاتلوا ، والذين قتلوا ، ويكون الخبر عن كل من هؤلاء . وقرأ جمهور السبعة : وقاتلوا وقتلوا ، وقرأ حمزة والكسائي وقتلوا وقاتلوا يبدءان بالمبني للمفعول ،
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 2 / 217 .