تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 476

مساهمون:

ص٤٧٦
مصنوعاته . ثم ذكروا أيضا ما أنتج لهم الفكر من إجابة الداعي إلى الإيمان ، إذ ذاك مترتب على أنه تعالى ما خلق هذا الخلق العجيب باطلا . ثم سألوا غفران ذنوبهم ووفاتهم على الإيمان الذي أخبروا به في قولهم : فآمنا . ثم سألوا اللّه الجنة وأن لا يفضحهم يوم القيامة ، وذلك هو غاية ما سألوه . وتكرر لفظ ربنا خمس مرات ، كلّ ذلك على سبيل الاستعطاف وتطلب رحمة اللّه تعالى بندائه بهذا الاسم الشريف الدال على التربية والملك والإصلاح . وكذلك تكرر هذا الاسم في قصة آدم ونوح وغيرهما . وفي تكرار ربنا ربنا دلالة على جواز الإلحاح في المسألة ، واعتماد كثرة الطلب من اللّه تعالى . وفي الحديث : « ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام » وقال الحسن : ما زالوا يقولون ربنا ربنا حتى استجاب لهم . وهذه مسألة أجمع عليها علماء الأمصار خلافا لبعض الصوفية ، إذا جاز ذلك فيما يتعلق بالآخرة لا بالدنيا ، ولبعض المتصرفة أيضا إذ قال اللّه تعالى : تولى من اتبع الأمر « 1 » واجتنب النهي وارتفع عنه كلف طلباته ودعائه . خرج أبو نصر الوابلي السجستاني الحافظ في كتاب الإبانة عن أبي هريرة : « أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان يقرأ عشر آيات من آخر سورة آل عمران كل ليلة » يعني : أن في خلق السماوات والأرض . قال العلماء : ويستحب لمن انتبه من نومه أن يمسح على وجهه ، ويستفتح قيامه بقراءة هذه العشر آيات اقتداء بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ثبت ذلك في الصحيحين وغيرهما ، ثم يصلي ما كتب له ، فيجمع بين التفكر والعمل
فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ
روي أن أم سلمة قالت : يا رسول اللّه قد ذكر اللّه الرّجال في الهجرة ولم يذكر النساء في شيء من ذلك ، فنزلت ، ونزل آيات في معناها فيها ذكر النساء . ومعنى استجاب : أجاب ، ويعدي بنفسه وباللام . وتقدم الكلام في
فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي
« 2 » ونقل تاج القرّاء أن أجاب عام ، واستجاب خاص في حصول المطلوب . وقرأ الجمهور : إني على إسقاط الباء ، أي : بأني . وقرأ أبي بأني بالباء . وقرأ عيسى بن عمر : إني بكسر الهمزة ، فيكون على إضمار القول على قول البصريين ، أو على الحكاية بقوله : فاستجاب . لأن فيه معنى القول على طريقة الكوفيين . وقرأ الجمهور : أضيع من أضاع . وقرأ بعضهم : أضيع بالتشديد من ضيّع ، والهمزة والتشديد فيه للنقل كما قال الشاعر :
هامش
( 1 ) سورة . ( 2 ) سورة البقرة : 2 / 186 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 476 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل